أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٤ - الأقوال الواردة في معنى الحديث
مفادها نفي وجود هذه الامور، ويشهد عليه أيضاً جواز تبديل «لا» في تمام هذه التراكيب ب «ليس» التي لا إشكال في أنّها لخصوص النفي، فيقال بدل قوله: «فلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ» «ليس في الحجّ رفث ولا فسوق ولا جدال».
هذا، مضافاً إلى أنّه لا يمكن إرادة النهي في بعض هذه التراكيب بوجه من الوجوه، فلا يصحّ أن يقال: (مثلًا) أنّ معنى قوله صلى الله عليه و آله: «لا اخصاء في الإسلام» «لا تخصوا في الإسلام» لعدم إمكان أن يكون الإسلام ظرفاً للاخصاء.
نعم لازمه النهي عنها، فيكون النفي في هذه التراكيب كناية عن النهي، وهذا هو الأمر الثاني الذي التفت إليه أخيراً، وإلى هذا يرجع ما استدلّ به من كلمات أرباب اللغة فإنّهم فسّروها بلازم المعنى كما هو دأبهم في سائر المقامات.
هذا كلّه هو الأمر الأوّل، وقد ظهر منه أنّ كلمة «لا» في الحديث نافية.
وأمّا الأمر الثاني: وهو أنّ فاعل الضرر في هذا الحديث هل هو الناس بعضهم ببعض، أو اللَّه سبحانه وتعالى؟ (بل العمدة في فهم معنى الحديث هو توضيح هذا المعنى لا كون «لا» نافية أو ناهية كما ستعرف إن شاء اللَّه) فنقول: إن كان الفاعل هو اللَّه سبحانه، فمعنى الحديث أنّ اللَّه تعالى لا يجعل حكماً ضررياً، وضعيّاً كان أو تكليفيّاً، وإن كان الفاعل هو الناس فمعناه أنّ اللَّه تبارك وتعالى لا يجيز الناس أن يضرّ بعضهم ببعض، ولنا شواهد عديدة على الثاني:
منها: أنّه لا إشكال في أنّ فاعل «ضرار» هو الناس بناءً على وجود الفرق بينه وبين معنى الضرر كما هو مقتضى ما مرّ من الشواهد الروائيّة والكتابيّة واللغويّة، وحينئذٍ وحدة السياق تقتضي أن يكون فاعل الضرر أيضاً هو الناس.
ومنها: قوله صلى الله عليه و آله في قضيّة سمرة «ما أراك إلّامضارّاً» فإذا كان الفاعل في الصغرى هو المكلّف نفسه فليكن في الكبرى أيضاً كذلك.
ومنها: التراكيب المشابهة الواردة في الكتاب والسنّة، كقوله صلى الله عليه و آله: «لا غشّ بين المسلمين» وقوله: «لا هجر بين المسلمين» وقوله تعالى: «فلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ» وقوله صلى الله عليه و آله: «لا سبق إلّافي ثلاث» وقوله: «لا اخصاء في الإسلام، وقوله: «لا بيع إلّافي ملك» و «لا يمين في معصية اللَّه» و «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» و «لا طلاق إلّافي طوع» وغيرها من التراكيب التي لا إشكال في أنّ الفاعل فيها هو المكلّفون.