أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٣ - الجهة الاولى في الأجزاء
هو الأقل أو الأكثر، مع أنّه ليس كذلك، فإنّ الواجب الواقعي لو كان هو الأكثر لم يكن وجوب الأقل منجّزاً، إذ وجوب الأقل حينئذٍ يكون مقدّمياً ومن باب تبعية وجوب المقدّمة لوجوب ذي المقدّمة في التنجّز، والمفروض عدم تنجّز وجوب ذي المقدّمة وهو الأكثر لجريان البراءة فيه على الفرض، فليس وجوب الأقلّ ثابتاً على كلّ تقدير، مع أنّ المعتبر في الانحلال وجوب كذلك، وهذا خلف.
وأمّا محذور لزوم عدم الانحلال من الانحلال فتوضيحه: إنّ انحلال العلم الإجمالي بالعلم التفصيلي والشكّ البدوي منوط بالعلم بوجوب الأقلّ تفصيلًا، وهذا العلم التفصيلي موقوف على تنجّز وجوب الأقلّ مطلقاً، نفسياً كان أو غيريّاً، وتنجّز وجوبه الغيري يقتضي تنجّز وجوب الأكثر نفسيّاً حتّى يترشّح منه الوجوب على الأقل، ويصير واجباً غيريّاً، ولا يخفى أنّ تنجّز وجوب الأكثر يقتضي عدم الانحلال، فلزم من الانحلال عدم الانحلال وهو محال.
أقول: لا يخفى رجوع الإشكال الثاني إلى الأوّل، لأنّ الخلف أيضاً يؤول إلى ما يلزم من وجوده عدمه.
وقد أخذ المحقّقون في الجواب عنهما، وكلّ اختار طريقاً لحلّ المشكلتين.
فقال المحقّق النائيني رحمه الله: يرد عليه أمران:
الأوّل: إنّ ذلك مبنى على أن يكون وجوب الأقل مقدّمياً على تقدير أن يكون متعلّق التكليف هو الأكثر، إلّاأنّ ما نحن فيه ليس من هذا القبيل، لما تقدّم من أنّ وجوب الأقلّ لا يكون إلّانفسيّاً على كلّ تقدير، لأنّ الأجزاء إنّما تجب بعين وجوب الكلّ، ولا يمكن أن يجتمع في الأجزاء كلّ من الوجوب النفسي والغيري.
الثاني: إنّ دعوى توقّف وجوب الأقل على تنجّز التكليف بالأكثر لا تستقيم، ولو فرض كون وجوبه مقدّمياً، وسواء اريد من وجوب الأقلّ تعلّق التكليف به أو تنجّزه، فإنّ وجوب الأقل على تقدير كونه مقدّمة لوجود الأكثر إنّما يتوقّف على تعلّق واقع الطلب بالأكثر، لا على تنجّز التكليف به، لأنّ وجوب المقدّمة يتبع وجوب ذي المقدّمة واقعاً وإن لم يبلغ مرتبة التنجّز، وكذا تنجّز التكليف بالأقل لا يتوقّف على تنجّز التكليف بالأكثر بل يتوقّف على العلم بوجوب نفسه، فإنّ تنجّز كلّ تكليف إنّما يتوقّف على العلم بذلك التكليف، ولا دخل لتنجّز تكليف آخر في ذلك [١].
[١] راجع فوائد الاصول: ج ٤، ص ١٥٦- ١٥٨، طبع جماعة المدرّسين.