أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠٦ - الأمر الأوّل الاقتصار على المرجحات المنصوصة وعدمه
منصوص العلّة، نعم وروده بصورة التعليل إنّما هو في مرسلة الكليني [١] في ديباجة الكافي، والاعتماد عليها مشكل، لا سيّما بعد احتمال كونها مأخوذة عن المقبولة مع النقل بالمعنى.
هذا مضافاً إلى أنّ المراد من كون الرشد في خلافهم هو الاحتمال الغالب في الخبر الموافق من حيث التقيّة، ولكن حيث لا يعلم مقدار الغلبة هنا لا يمكن التعدّي إلى غيره ممّا لم يحرز فيه المقدار المذكور.
وذكر المحقّق الخراساني رحمه الله احتمالًا آخر في معنى هذا التعليل لا يمكن المساعدة عليه، وهو أن يكون الرشد في نفس المخالفة لهم لحسنها ورجحانها موضوعياً.
ووجه عدم المساعدة أنّ هذا الاحتمال بعيد عن ظاهر الحديث غاية البعد، فإنّ معناه أن يكون لمجرّد المخالفة معهم موضوعيّة مع أنّ الرشد في اللغة ما يقابل الغيّ كما في الصحاح، فهو بمعنى الوصول إلى المقصد والإهتداء في الطريق كما يشهد عليه قولهم للمسافر «راشداً مهدياً» بل قوله تعالى: «وَهَيِءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً» [٢] في قصّة أصحاب الكهف.
وأجاب المحقّق النائيني رحمه الله عن الاستدلال بهذا الحديث لجواز التعدّي بأنّ «التعليل لا ينطبق على ضابط منصوص العلّة» ولا يصلح أن يكون كبرى كلّية، لأنّ ضابط منصوص العلّة هو أن تكون العلّة على وجه يصحّ ورودها والقائها إلى المكلّفين إبتداءً بلا ضمّ المورد إليها كما في قوله: «الخمر حرام لأنّه مسكر» فإنّه يصحّ أن يقال «كلّ مسكر حرام» بلا ذكر الخمر، وهذا بخلاف قوله عليه السلام «فإنّ الرشد في خلافهم» فإنّه لا يصحّ أن يقال: «خذ بكلّ ما خالف العامّة» لأنّ كثيراً من الأحكام الحقّة توافق قول العامّة» [٣].
ولكن يرد عليه أيضاً أنّ الكبرى الكلّية المأخوذة من هذا الحديث ليس «خذ بكلّ ما خالف العامّة» حتّى يناقش فيه بما ذكر، بل المستفاد منه: «كلّ خبرين أحدهما موافق للعامّة والآخر مخالف لهم فخذ بالخبر المخالف» وهذه كبرى كلّية يمكن الالتزام بها بلا ريب.
وأجاب المحقّق الحائري رحمه الله عن الاستدلال بهذا الدليل بما حاصله: أنّ هذا التعليل لا
[١] وسائل الشيعة: الباب ٩، من أبواب صفات القاضي، ح ١٩.
[٢] سورة الكهف: الآية ١٠.
[٣] فوائد الاصول: ج ٤، ص ٧٧٧، طبعة جماعة المدرّسين.