أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠٥ - الأمر الأوّل الاقتصار على المرجحات المنصوصة وعدمه
الوجه الثاني: الترجيح بالأصدقية في المقبولة والأوثقية في المرفوعة فإنّ اعتبار هاتين الصفتين ليس إلّالترجيح الأقرب إلى مطابقة الواقع، أي مناط الترجيح بهما هو الأقربيّة إلى الصدور، ففي كلّ مورد تحقّق هذا المناط يكون موجباً للترجيح سواء كان من المرجّحات المنصوصة أو لم يكن.
واجيب عنه أوّلًا، بأنّ هذا ليس إلّاالظنّ بأنّ المناط هى الأقربيّة إلى الصدور (وتنقيح المناط ما لم يكن قطعيّاً لا اعتبار به) لأنّه من الممكن أن يكون الترجيح بهما لخصوصية فيهما لا لصرف كونهما أقرب إلى الصدور، وبعبارة اخرى: أنّ مجرّد جعل شيء (فيه جهة الإراءة والكشف) حجّة كخبر الصادق أو الثقة أو جعله مرجّحاً كالأصدقيّة والأوثقيّة، لا دلالة فيه على أنّ الملاك فيه بتمامه جهة إراءته على نحو نقطع بذلك ونتيقّن به حتّى يكون من باب تنقيح المناط القطعي ويجوز التعدّي عن مورد النصّ، وذلك لاحتمال دخل خصوصيّة ذلك الشيء في حجّيته أو مرجّحيته لا جهة إراأته فقط.
وثانياً: بأنّه سلّمنا إحراز أنّ المناط هو الأقربيّة إلى الصدور، ولكنّه لا ريب في أنّ للأقربيّة مراتب مختلفة، ولعلّ جعل الأصدقيّة والأوثقيّة مرجّحاً للخبر كان لأجل أنّ لهما درجة خاصّة من الأقربيّة التي لا يمكن إحرازها في غيرهما.
وثالثاً: أنّ الترجيح بهاتين الصفتين لا يوجد إلّافي المقبولة والمرفوعة، وقد مرّ أنّ المرفوعة لا سند لها، وأمّا المقبولة فهذا المرجّح فيها ناظر إلى حال القضات لا الرواة لأنّها تقول: «الحكم ما حكم به ...» وهذا مختصّ بباب الحكومة والقضاء، ولا ربط له بباب تعارض الخبرين.
الوجه الثالث: التعليل الوارد في الأخذ بما يخالف العامّة بأنّ «الرشد في خلافهم» حيث إنّه يدلّ على وجوب ترجيح كلّ ما كان معه أمارة الحقّ والرشد، وترك ما فيه مظنّة خلاف الحقّ والصواب.
ويمكن أن يجاب عنه: بأنّه لم ترد هذه الفقرة بصورة التعليل في روايات الباب، فإنّ الوارد في المقبولة هو قوله «ما خالف العامّة ففيه الرشاد» ومن الواضح أنّ هذا ليس من قبيل