أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٩ - الأقوال في حجّيّته الاستصحاب وبيان أدلّتها
موضوع المغيّى فيحكم بأنّ المغيّى في ما نحن فيه عبارة عن «كلّ شيء مشكوك»، أي «كلّ شيء مشكوك طاهر حتّى تعلم أنّه قذر»، أو «كلّ شيء طاهر ما دمت في شكّ حتّى تعلم أنّه قذر»، ولا يخفى أنّ المأخوذ في موضوعه الشكّ حكم ظاهري لا واقعي.
الثالثة: ظاهر التعبير ب «حتّى تعلم أنّه قذر» أنّه قد سبقه جعل حكم واقعي بالطهارة أو القذارة ثمّ شكّ فيه، فلا يكون المقام إلّامقام الحكم الظاهري.
هذه قرائن يندفع بها احتمال إرادة الحكم الواقعي، ويثبت أنّ الظاهر هو جعل حكم ظاهري، وحينئذ يبقى الكلام في أنّ الظاهر من الحديث هل هو قاعدة الطهارة أو الحلّية، أو الظاهر منه استصحاب أحدهما؟ فنقول: الصحيح هو الأوّل، لأنّ معنى الاستصحاب يحتاج إلى ما يدلّ على استمرار الحالة السابقة، وهو غير ظاهر في الحديث.
إن قلت: يدلّ عليه كلمة «حتّى»، لأنّها تدلّ على الاستمرار.
قلنا: هذا الاستمرار إنّما هو من جهة بقاء الحكم ببقاء موضوعه الثابت في جميع الموارد، لا الاستمرار الاستصحابي، فمعنى الحديث أنّ حكم الطهارة ثابت لمشكوك الطهارة ما دام مشكوكاً، وأين هذا من الاستصحاب؟
إن قلت: يمكن أن يكون صدر الحديث ناظراً إلى الحكم الواقعي وذيله إلى الاستصحاب (كما هو ظاهر المحقّق الخراساني رحمه الله في الكفاية) فيكون المعنى في الواقع: «الأشياء بعناوينها الواقعية طاهرة، ويستمرّ هذا الحكم عند الشكّ حتّى تعلم أنّه نجس»، فيصير «حتّى تعلم» غاية للجملة المقدّرة (أي لجملة «يستمرّ هذا الحكم») لا للحكم الواقعي حتّى يستشكل بعدم إمكان وقوع العلم غاية له.
قلنا: التقدير خلاف الظاهر ومحتاج إلى قرينة، وهى مفقودة في المقام.
إن قلت: أي مانع في أنّ يكون صدر الحديث ناظراً إلى القاعدة وذيله إلى الاستصحاب مع عدم ابتلائه بإشكال التقدير؟
قلنا: هذا غير ممكن فإنّه لولا التقدير لكان الذيل غاية لما ثبت في الصدر، فكما أنّ الذيل ناظر إلى الحكم الظاهري (أي الطهارة للمشكوك) لابدّ أن يكون صدره كذلك.
فتحصّل من جميع ما ذكرنا أنّ ما نسب إليه المشهور هو الحقّ، وهو أنّ الحديث دالّ على خصوص القاعدة بصدره وذيله.