أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٤ - نقد سائر الأقوال
قلنا: سلّمنا كون قاعدة لا ضرر من قبيل فرائض النبي صلى الله عليه و آله التي فوّض أمر تشريعها إليه، ولكنّها ليست من الأحكام السلطانيّة أيضاً، لأنّ المفروض حينئذٍ أنّ النبي صلى الله عليه و آله وضعها بما أنّه مفوّض إليه التشريع لا بما أنّه حاكم ومجرٍ للأحكام الإلهيّة الكلّية.
هذا مضافاً إلى أنّه قد قرّر في محلّه في مبحث ولاية الفقيه أنّ مقام التشريع الذي فوّض إلى الرسول صلى الله عليه و آله كان على نحو جزئي ومختصّاً بموارد خاصّة معدودة، كما تشهد عليه شواهد عديدة، منها قوله صلى الله عليه و آله في كثير من الموارد: «إنّي أنتظر الوحي» حيث إنّ انتظار الوحي وتعيين التكليف من ناحية الوحي ينافي التفويض الكلّي إليه كما لا يخفى.
وحينئذٍ لابدّ لتعيين فرائض النبي صلى الله عليه و آله وتمييزها عن غيرها إلى قرينة قطعيّة (نظير ما يقال في باب النسخ بأنّه بما أنّ موارد النسخ قليلة لابدّ لتعيينها وتشخيصها من قرينة خاصّة) وإلّا يكون الظاهر من أوامره ونواهيه أنّه في مقام الحكاية عن أوامر اللَّه تعالى ونواهيه.
مضافاً إلى اختصاص هذا المقام بالنبي صلى الله عليه و آله كما يدلّ عليه قوله تعالى: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ». وقوله صلى الله عليه و آله في رواية حجّة الوداع: «ما من شيء يقرّبكم إلى اللَّه إلّاوقد أمرتكم به وما من شيء يبعّدكم عن اللَّه إلّاوقد نهيتكم عنه» وغيرها ممّا ورد في الباب الذي عقده في الوافي في أنّه ليس شيء ممّا يحتاج إليه الناس إلّاوقد جاء في كتاب أو سنّة [١]، التي تدلّ على عدم وجود فراغ قانوني كما مرّ آنفاً، حتّى أنّ الأئمّة المعصومين صلوات اللَّه عليهم إنّما كانوا وارثين للنبي صلى الله عليه و آله وحاملين لعلومه كما وردت روايات متواترة من ناحيتهم تدلّ على أنّ كلّ ما يقولونه ينقلونه عن الرسول صلى الله عليه و آله، ولذا لم يصدر تشريع حكم منهم عليهم السلام في طيلة حياتهم [٢].
الجهة الثانية: في ما هو الظاهر من قضية سمرة ...
فنقول: الظاهر أنّ حكمه صلى الله عليه و آله في قضيّة سمرة كان بعنوان فصل الخصومة ورفع التنازع في الحقوق والأموال، وكان النزاع بينه وبين الأنصاري ناشئاً من الجهل بالحكم فإنّه يرى أنّ وجوب الاستئذان من الأنصاري تضييق في دائرة سلطنته، ولذا قال: أستأذن في طريقي إلى عذقي؟ بينما الأنصاري يرى أنّ له أن يلزم سمرة على الاستئذان، فشكاه إلى النبي صلى الله عليه و آله لفصل الخصومة والنزاع بما أنّه صلى الله عليه و آله قاضٍ منصوب من قبل اللَّه تعالى، نعم بعد قضاء الرسول صلى الله عليه و آله
[١] الوافي: ج ١، ص ٢٦٥، الطبع الجديد.
[٢] راجع جامع أحاديث الشيعة فإنّه عقد باباً أورد فيه أخباراً متواترة في هذا المعنى: (ج ١، الباب ٤، ص ١٢٦).