أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٦ - ٤- السنّة
هذا، ولكن يمكن الجواب عنه بأنّ الإمام عليه السلام (على أي حال) أسند منعه إلى عنوان الضرر لا إلى عنوان العدوان والتعدّي على حقّ الغير، وهذا كافٍ في الاستدلال به على المقصود، ولا يبعد حينئذٍ الغاء الخصوصيّة عن موردها، والحكم بعدم جواز الاضرار مطلقاً.
ومنها: ما رواه الطبرسي رحمه الله في مجمع البيان في ذيل قوله تعالى: «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ...» قال: جاء في الحديث «أنّ الضرار في الوصيّة من الكبائر» [١].
والظاهر (بقرينة سائر الروايات الواردة في الباب) أنّ المراد من الضرار في الوصيّة هو الوصيّة بتمام المال أو بأكثر من الثلث، وهو بنفسه حرام، ولذلك لا يتمّ الاستدلال بهذه الرواية لما نحن فيه، اللهمّ إلّاأن يقال: إنّ حكمة جعل هذا الحكم هو حرمة الاضرار، فيكون حاكماً على عموم قاعدة السلطنة، ولازمه حكومة قاعدة لا ضرر على تلك القاعدة أيضاً فتأمّل، ولا يخفى أنّها ناظرة إلى الحكم الوضعي.
ومنها: ما رواه طلحة بن زيد عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «إنّ الجار كالنفس غير مضارّ ولا إثم» [٢].
ومنها: ما رواه أبو بصير عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: سمعته يقول: «المطلّقة الحبلى ينفق عليها حتّى تضع حملها وهى أحقّ بولدها أن ترضعه بما تقبله امرأة اخرى، يقول اللَّه عزّوجلّ:
«لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ» «لا يضارّ بالصبي ولا يضارّ بامّه في إرضاعه ...» [٣].
ومنها: ما رواه الحلبي عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: سألته عن الشيء يوضع على الطريق فتمرّ الدابة فتنفر بصاحبها فتعقره فقال: كلّ شيء يضرّ بطريق المسلمين فصاحبه ضامن لما يصيبه» [٤].
فتدلّ على أنّ الاضرار بالغير ولو كان بالتصرّف في الشارع العام موجب للضمان وأنّه لا فرق بين أن يكون الاضرار بالمباشرة أو بالتسبيب.
[١] وسائل الشيعة: ج ١٣، أبواب الوصايا، الباب ٨، ح ٤.
[٢] المصدر السابق: إحياء الموات، الباب ١٢، ح ٢.
[٣] المصدر السابق: ج ١٥، أبواب أحكام الأولاد، الباب ٧٠، ح ٧.
[٤] المصدر السابق: ج ١٩، أبواب موجبات الضمان، الباب ٩، ح ١.