أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥١ - نقد سائر الأقوال
خطيرها وحقيرها حتّى أرش الخدش.
الثاني: مقام الحكومة والسلطنة، فهو صلى الله عليه و آله سلطان الامّة والحاكم بينهم وسائس العباد في البلاد، وهو من هذه الجهة يرسل سرية ويأمر بالجهاد ويعدّ القوّة، إلى غير ذلك من شؤون الحكومة الإلهيّة في الخلق.
والفرق بين المنصبين واضح فإنّه صلى الله عليه و آله بما أنّه نبي ورسول ليس له أمر ولا نهي، ولا بعث ولا زجر، بل كلّ ما يأمر به أو ينهى عنه فإرشاد إلى أمره تعالى ونهيه، وأمّا إذا أمر بما أنّه سائس الامّة فيجب إطاعته ويحرم مخالفته، فمن خالف فإنّما خالف أمر الرسول ونهيه، ومن أطاع فقد أطاعه، أي يكون المقام ذا دستور وأمر وزجر مستقلًا.
الثالث: مقام القضاء وفصل الخصومة عند التنازع.
ثانيتهما: أنّه كلّما ورد في الروايات من الرسول ووصيّه من أنّه «أمر بكذا» فهو ظاهر في الأمر المولوي السلطاني، وكلّما ورد من «أنّه قضى» فهو ظاهر في القضاء وفصل الخصومة، وأمّا قوله «حكم» فهو مردّد بينهما، وأمّا ما ورد في الآثار من التعبير بأنّه صلى الله عليه و آله «قال» فدلالته على أنّه كان أمراً سلطانيّاً يحتاج إلى قرينة دالّة عليه، وأمّا إذا كان بصيغ الأمر فهى ظاهرة في حدّ نفسها في الأمر المولوي، فالعدول عنه يحتاج إلى دليل آخر.
ثمّ قال: إن قاعدة لا ضرر من الأحكام السلطانيّة، ويدلّ عليه:
أوّلًا: ما ورد من طرق العامّة من التعبير ب «وقضى أن لا ضرر ولا ضرار» في مساق سائر الأقضية، ولا ينافي هذا ما مرّ أنّ لفظة «قضى» ظاهرة في الحكم القضائي، فإنّ ذلك صحيح إذا لم تقم قرينة على كونه ليس بصدد فصل الخصومة والقضاء.
وثانياً: قضيّة سمرة، لأنّ التأمّل في صدرها وذيلها والإمعان في هدف الأنصاري حيث رفع الشكوة إلى النبي صلى الله عليه و آله ليدفع عنه الظلم، والتدبّر في أنّه لم يكن لواحد منهما شبهة حكميّة ولا موضوعيّة، يورث الاطمئنان ويشرف الفقيه بالقطع على أنّ الحكم حكم سلطاني.
إن قلت: إنّ الرسول صلى الله عليه و آله قد استند في أمره بالقطع والرمي بها على وجهه بقوله: «فإنّه لا ضرر ولا ضرار» وظاهر الاستناد والفاء المفيد للتعليل أنّه حكم إلهي وقاعدة كلّية من اللَّه تعالى، وهو صلى الله عليه و آله إتّكل على الحكم الإلهي، فأمر الأنصاري بقلعها ورميها، فعلّل عمل نفسه بالحكم الصادر من اللَّه، ولا يناسب أن يفسّر عمل نفسه ويعلّله بحكم نفسه.