أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠٨ - التنبيه الثالث عشر استصحاب الكتابي
أن تكون النبوّة ناشئة من كمال النفس) فلا ريب في عدم صحّته لما سيأتي في بيان وجه المختار، وهكذا الوجه الثالث (وهو أن يكون المراد من النبوّة أحكام شريعة من اتّصف بها واستصحابها هو استصحاب بعض أحكامها) لما سيأتي أيضاً بل الصحيح إنّما هو المعنى الثاني (وهو كون النبوّة من المناصب المجعولة) كما يشهد عليه قوله تعالى: «إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً» [١] حيث إنّ النبوّة والإمامة فيما يهمّنا في المقام على وزان واحد، وقوله تعالى: «اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ» [٢]، وقوله تعالى: «وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى» [٣] فإنّ هذه الآيات ونظائرها صريحة أو كالصريحة في كون النبوّة منصباً من المناصب المجعولة من ناحية الشارع فإنّ التعبير بالجعل والاختيار كالصريح في هذا المعنى، نعم هذا مقام لا يعطيه الحكيم إلّالمن تمّت القابلية فيه.
ثانياً: هيهنا وجه رابع في المراد من النبوّة وهو أن يكون المراد منها مجموع الأحكام والتعاليم الموجودة في تلك الشريعة السابقة، وهذا هو الصحيح المختار لأنّ من المسلّم أنّ انقضاء شريعة موسى وعيسى عليهما السلام ليست بمعنى عزلهما عن ذلك المنصب الإلهي أو بمعنى تنزّلهما عن تلك المرتبة من كمال النفس، بل إنّها بمعنى إنقضاء أمد شريعتهما وخروجها عن كونها ديناً رسميّاً للعباد، ولا يخفى أنّ هذا المعنى أيضاً لا يمكن استصحاب بقائه عند الشكّ فيه، لما مرّ من عدم وجود الدليل على الاستصحاب من غير ناحية الشريعة الإسلاميّة ولغيّره ممّا مرّ ذكره، ولو فرضنا وجود الدليل على الاستصحاب في نفس الشريعة السابقة فأيضاً لا يمكن التمسّك به لإثبات بقاء أحكام تلك الشريعة، لما أفاده بعض الأعلام من «أنّ حجّية الاستصحاب من جملة تلك الأحكام فيلزم التمسّك به لإثبات بقاء نفسه وهو دور ظاهر» [٤].
ثالثاً: لو فرضنا كون النبوّة أمراً تكوينياً فلا يمكن الإيراد على جريان الاستصحاب فيه بعدم ترتّب أثر عملي شرعي عليه لأنّ وجوب الإعتقاد القلبي به وعقد القلب عليه أثر عملي جانحي شرعي، وإن كان الكاشف عنه هو العقل، نظير وجوب المقدّمة.
[١] سورة البقرة: الآية ١٢٤.
[٢] سورة الأنعام: الآية ١٢٤.
[٣] سورة طه: الآية ١٣.
[٤] مصباح الاصول: ج ٣، ص ٢١٤، طبع مطبعة النجف.