أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩ - المقام الثاني في كيفية دلالة الحديث على المطلوب
المشكوك، أو المرفوع هو الموضوع الخارجي، أي نفس الخمر في المثال، أو الحكم، أي الحرمة؟
ولابدّ للجواب عن هذا السؤال من ملاحظة التعبيرات الواردة في الآيات والروايات بالنسبة إلى صيغة الوضع، حيث إنّها تقابل الرفع وتضادّه، والأشياء تعرف بأضدادها، فإذا عرفنا ما هو الموضوع في التكاليف الشرعيّة في الكتاب والسنّة عرفنا المرفوع فيها بالتبع.
وبعبارة اخرى: ما هو الثقل والكلفة التي يشتقّ منها كلمة التكليف، ومن أين يجيء ويوضع على عهدة المكلّف حتّى يكون هو المرفوع؟
فنقول في الجواب: إنّ الموضوع والمحمول على المكلّف في لسان الآيات إنّما هو الفعل كالرزق (بمعناه المصدري) والكسوة الموضوعين على عهدة الأب في قوله تعالى: «وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» [١]، فالموضوع في هذه الآية فعل الرزق وفعل الكسوة كما هو واضح، وكالفدية في قوله تعالى: «وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ» [٢]، والصيام في قوله تعالى «كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» وحجّ البيت في قوله تعالى: «وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ».
وهكذا في الروايات كقوله عليه السلام: «عليك القضاء» أو «عليك الإعادة» أو «عليك الحجّ من قابل» فالموضوع على عهدة المكلّف إنّما هو القضاء أو فعل الإعادة أو الحجّ، فكأنّ للأفعال ثقلًا في عالم التشريع يضعه الشارع على عاتق المكلّفين، نعم إنّه كناية عن الإيجاب، وهى غير تقرير الوجوب، ولا يلزم فيها مجاز، بل يستعمل كلّ لفظ في معناه الموضوع له، ففي قولك:
«زيد كثير الرماد» استعمل كلّ واحد من «زيد» و «كثير الرماد» في معناه الموضوع له وإن لم يكن المستعمل فيه مراداً جدّياً للمتكلّم، فوضع فعل كالصيام والحجّ والإعادة والقضاء على عاتق المكلّف كناية عن وجوبه.
فإذا كان متعلّق الوضع هو الفعل فليكن متعلّق الرفع أيضاً كذلك، ففي قوله صلى الله عليه و آله: «رفع ما لا يعلمون» إنّما رفع الفعل المجهول كما أنّ المرفوع في «ما اضطرّوا إليه» و «ما استكرهوا عليه» هو الفعل الاضطراري أو الإكراهي الذي كان يثقل على عاتق المكلّف لولا حديث الرفع، لا أن يكون المرفوع هو الحكم حتّى نحتاج إلى تقدير.
[١] سورة البقرة: الآية ٢٣٣.
[٢] سورة البقرة: الآية ١٨٤.