أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٩ - الكلام في أصالة عدم التذكية
السابق إلّامن باب العدم الأزلي فتجري حينئذٍ أصالة الطهارة بلا مانع بناءً على ما هو المختار من عدم حجّية أصل العدم الأزلي.
وعلى الثالث: فلا إشكال أيضاً في عدم جريانها لأنّ التذكية وهى خصوص الذبح الشرعي حاصلة بالوجدان والشكّ إنّما هو في حصول بعض شرائطها.
والمحقّق النائيني رحمه الله اختار المعنى الثالث لقوله تعالى: «إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ» إذ إنّ نسبة التذكية إلى الفاعلين تدلّ على أنّها من فعلهم [١].
ولكن يرد عليه: أنّ إسناد الفعل إلى الجزء الأخير من العلّة إسناد شائع، وهذا يناسب المعنى الثاني أيضاً، نعم إنّ أصل مدّعاه تامّ لعدم وجود حقيقة شرعيّة في معنى التذكية، فتحمل على معناها العرفي، ولا إشكال في أنّ مدلولها العرفي إنّما هو المعنى الثالث لأنّ أصلها الذكاء (بالذال) لا الزكاء (بالزاء) كما وقع الخلط بينهما في كلمات بعض الأعاظم، ففي مفردات الراغب:
التذكية (بالذال) في الأصل بمعنى الإضاءة وذكّيت الشاة ذبحتها، وحقيقة التذكية إخراج الحرارة الغريزيّة، بينما التزكية (بالزاء) بمعنى النموّ والبركة والتطهير.
وبالجملة المرجع في المقام هو المعنى العرفي لعدم حقيقة شرعية لها (وما جاء في الشريعة من بعض الشروط فهو خارج عن حقيقتها) والمعنى العرفي إنّما هو المعنى الثالث، وعليه لا تجري أصالة عدم التذكية لأنّها حاصلة بالوجدان.
بقي هنا أمران:
الأوّل: أنّه قد ذكر في كلمات بعضهم أصل آخر يتوهّم حكومته على أصالة الحلّية، وهو استصحاب الحرمة في حال الحياة.
ولكن يمكن الجواب عنه بأمرين:
أحدهما: عدم اتّحاد القضيّة المتيقّنة مع القضية المشكوكة في المقام، لأنّ الموضوع في الاولى هو الحيوان الحيّ، وفي الثانية الحيوان الميّت، ولعلّ الحياة مقوّمة لحرمة الأكل.
ثانيهما: حرمة الأكل في حال الحياة أوّل الكلام لأنّ أكل الحيوان حيّاً غير ممكن إلّافيما هو صغير جدّاً كالسمكة الصغيرة التي يمكن بلعها لدفع بعض الأمراض على ما هو المعروف
[١] راجع فوائد الاصول: ج ٣، ص ٣٨٢.