أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣٨ - التنبيه العشرون النسبة بين الاستصحاب والقواعد الجارية في الشبهات الموضوعيّة
قلنا: المدار في النسبة بين الدليلين هو نسبتهما بحسب أنفسهما قبل تخصيص أحدهما بشيء، فتخصيص القرعة بالشبهات الموضوعيّة بالإجماع والضرورة لا يوجب خصوصية في جانبها بعد عموم دليلها بحسب اللفظ.
الوجه الثاني: أنّ عموم دليل القرعة موهون بكثرة تخصيصه حتّى صار العمل به في مورد محتاجاً إلى الجبر بعمل الأصحاب بخلاف الاستصحاب فيكون عمومه باقياً على قوّته فيقدّم على عمومها.
الوجه الثالث: أنّ الموضوع في جريان القرعة كون الشيء مشكلًا بقول مطلق (واقعاً وظاهراً) لا في الجملة، وعليه يكون دليل الاستصحاب وارداً على دليل القرعة، رافعاً لموضوعه (أي الإشكال) ولو تعبّداً وظاهراً، لا حقيقة وواقعاً.
أقول: الحقّ عدم تمامية الوجه الأوّل والثاني (وقد أخذهما صاحب الكفاية عن الشيخ الأعظم رحمه الله).
أمّا الوجه الأوّل فإنّ دليل القرعة ليس عاماً من أوّل الأمر، لأنّ الإرتكاز العقلائي والمتشرّعي الموجود على اختصاصها بالشبهات الموضوعيّة يوجب انصرافها إلى الشبهات الموضوعيّة كما لا يخفى، وحينئذٍ لا يلزم انقلاب النسبة، بل النسبة بين دليلها ودليل الاستصحاب عموم مطلق من الأوّل.
وأمّا الوجه الثاني، فيرد عليه: أيضاً أنّ القرعة لم تخصّص في مورد فضلًا عن كونها موهونة بكثرة التخصيصات، لأنّ موضوعها كلّ أمر مجهول، وهو لا يعني كلّ أمر مشكوك، بل إنّما هو بمعنى سدّ جميع الأبواب والطرق، كما هو كذلك في مثال ولد الشبهة أو الغنم الموطوءة وغيرهما ممّا ورد في أحاديث الباب، ففي مورد المثال الأوّل لا بيّنة تعيّن بها خصوص الموطوءة، ولا استصحاب لعدم سبق الحالة السابقة، ولا تجري أصالة الاحتياط للزوم الضرر العظيم، وفي مثال ولد الشبهة لا طريق لإحراز أمر الولد وتخيير القاضي مظنّة التشاحّ والتنازع، فلا يبقى طريق إلّاالقرعة.
والحاصل: أنّ القرعة إنّما تجري في موارد سدّ الأبواب جميعاً من الأمارات والاصول.
فالصحيح في المقام هو الوجه الثالث، وهو أنّ أدلّة الاستصحاب واردة على أدلّة القرعة لأنّ بها يرتفع المجهول موضوعاً، كما أنّها كذلك بالنسبة إلى أدلّة سائر الاصول وجميع الأمارات والقواعد.