أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٠ - نقد سائر الأقوال
رابعاً: ما ظهر ممّا حقّقناه سابقاً من أنّ الفاعل في الضرر هم المكلّفون لا اللَّه سبحانه مع أنّ ظاهر كلام الشيخ بل صريحه كون الفاعل هو اللَّه، وقد عرفت أنّه لا يساعد عليه ظواهر الأدلّة أو صريحها.
أمّا القول الثالث: (وهو ما نقله الشيخ الأعظم رحمه الله من بعض الفحول، وهو أن يكون المراد من نفي الضرر نفي صفة عدم التدارك، وهو في نظر الشيخ رحمه الله أردأ الوجوه) فغاية ما يمكن أن يقال في توجيهه «أنّ الضرر إذا كان متداركاً لم يصدق عليه عنوان الضرر بنظر العرف وإن صحّ اطلاقه عليه بالدقّة العقليّة، فنفي الشارع للضرر على الاطلاق مع ما نرى من وجوده في الخارج دليل على أنّ جميع أنواع الضرر الحاصلة من ناحية المكلّفين متداركة بحكم الشرع، وأنّ فاعلها مأمور بتداركها وجبرانها، وإلّا لم يصحّ نفيها، فهذا القيد أعني «عدم التدارك» إنّما يستفاد من الخارج من باب دلالة الاقتضاء».
وقد اجيب عن هذا بوجوه عديدة، وعمدة الجواب عنه أن يقال: إذا كان الفاعل للضرر هو اللَّه سبحانه صار المعنى عبارة عن أنّ اللَّه تبارك وتعالى لا يجعل الأحكام الضرريّة، ولا حاجة إلى تقدير «غير متدارك» كما لا يخفى، وإن كان الفاعل هو المكلّفين فأيضاً لا نحتاج إلى ذلك التقدير لأنّ المعنى حينئذٍ عدم ترخيص إضرار أحد بغيره في مقام التكليف والوضع، غاية ما يلزم أن تكون «لا» نافية وكناية عن النهي، ولا إشكال في أنّه إذا دار الأمر بين هذه الكناية وتقدير «غير متدارك» الكناية هى الاولى، لعدم انس الأذهان بمثل هذا التقدير، وبالعكس لها بالنسبة إلى الكناية المذكورة انس شديد، لما مرّت من الشواهد والتراكيب.
أمّا القول الرابع: (وهو مختار شيخ الشريعة من كون مفاد الحديث حكماً فرعيّاً خاصّاً من دون أن يكون ناظراً إلى سائر الأدلّة وحاكماً عليها) فقد ظهر جوابه ممّا عرفت في بيان المختار من حكومة القاعدة على جميع الأدلّة الواردة في حقوق الناس والمعاملات بالمعنى الأعمّ.
أما القول الخامس: (وهو ما نقلناه إجمالًا من تهذيب الاصول) فهو مبنى على أربع مقدّمات نلخّصها في اثنتين:
إحديهما: أنّ للنبي صلى الله عليه و آله مقامات ثلاثة:
الأوّل: مقام النبوّة والرسالة فهو صلى الله عليه و آله بما أنّه نبي ورسول ينبىء عن اللَّه، ويبلّغ أحكامه