أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٢ - الشبهة العبائيّة
أمّا القسم الرابع: ففي حجّية جريان الاستصحاب فيه وعدمها أقوال ثلاثة:
١- أنّه يجري مطلقاً ولكنّه مبتلى بالمعارض غالباً، وهذا ما ذهب إليه بعض أعاظم العصر.
٢- عدم الجريان مطلقاً، وهو المختار.
٣- ما ذهب إليه المحقّق الهمداني رحمه الله في مصباح الفقيه من التفصيل الآتي ذكره.
أمّا القول الأوّل: فاستدلّ له بتمامية أركان الاستصحاب وتشييد نظامه في هذا القسم فإنّ أحد العنوانين وإن إرتفع يقيناً إلّاأنّ لنا يقيناً بوجود الكلّي في ضمن عنوان آخر، فنشكّ في ارتفاعه لاحتمال انطباقه على فرد آخر غير الفرد المرتفع يقيناً (فإذا علمنا بأنّ زيداً كان في الدار ثمّ سمعنا قراءة القرآن من الدار واحتملنا أنّ القارىء هو زيد أو غيره ثمّ خرج زيد عن الدار فحينئذٍ نقول: العلم بوجود كلّي الإنسان كان حاصلًا والآن نشكّ في بقائه لاحتمال تعدّد الفردين: زيد وقارىء القرآن) فبعد اليقين بوجود الكلّي المشار إليه والشكّ في ارتفاعه لا مانع من جريان الاستصحاب فيه.
نعم قد يبتلى هذا الاستصحاب بالمعارض، كما إذا علم بالجنابة ليلة الخميس مثلًا وقد إغتسل منها، ثمّ رأى منيّاً في ثوبه يوم الجمعة، فيعلم بأنّه كان جنباً حين خروج هذا المني ولكن يحتمل كون المنيّ من الجنابة التي قد إغتسل منها كما يحتمل كونه من غيرها، فإستصحاب كلّي الجنابة مع الغاء الخصوصيّة وإن كان جارياً في نفسه، إلّاأنّه معارض باستصحاب الطهارة الشخصيّة فإنّه على يقين بالطهارة حين ما إغتسل من الجنابة ولا يقين بارتفاعها لإحتمال كون ذلك الأثر من تلك الجنابة، فيقع التعارض بينه وبين استصحاب الجنابة، فيتساقطان ولابدّ من الرجوع إلى أصل آخر [١].
أقول: بعد سقوط الأصل من الجانبين يكون هذا الإنسان كخلق الساعة، وقد وقع الكلام فيه في محلّه من أنّ من خلق من ساعته كآدم مثلًا هل يجوز له الصّلاة لأنّ الحدث مانع، أو لا يجوز لأنّ الوضوء شرط؟ فكلّ ما اخترنا هناك يجري هنا، لعدم جريان أصل من ناحية الطهارة والحدث، وسيأتي قريباً الجواب عن هذا القول عند ذكر دليل القول الثاني.
[١] راجع مصباح الاصول: ج ٣، ص ١١٨، طبع مطبعة النجف.