أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٧ - ٢- الإجماع
ومنها: قوله تعالى في باب الشهادة: «وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ» [١] بناءً على كون «لا يضارّ» مبنيّاً على المفعول، حيث إنّه حينئذٍ ينهى عن الاضرار بالكتّاب والشهداء بالرجوع إليهم للكتابة أو الشهادة في أيّ وقت وساعة، تمسّكاً بعموم ما يدلّ على وجوبهما عليهم (وهو ما ورد في صدر الآية من قوله تعالى: «وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ» وقوله تعالى: «وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا» فيكون ذيل الآية حينئذٍ حاكماً على عموم صدرها، وأمّا بناءً على البناء على الفاعل فهى أجنبيّة عمّا نحن فيه، لأنّ المعنى حينئذٍ النهي عن اضرار كاتب الدَين والشاهد عليه بكتابة ما لم يمل والشهادة بما لم يستشهد عليه، أي بكتابة غير صحيحة وشهادة غير صادقة، وهو حرام من غير حاجة إلى عنوان الاضرار.
ومنها: قوله تعالى في باب الوصيّة: «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ» [٢] الذي ينهي عن الاضرار بالورّاث بالاقرار بدَين ليس عليه، دفعاً للميراث عنهم، وتمسّكاً بعموم «الناس مسلّطون على أموالهم» فتحكم الآية على هذا العموم ويكون مفيداً لنا في المقصود.
هذه هى الآيات الخاصّة التي وردت في موارد مختلفة وتدلّ على حرمة الاضرار في خصوص تلك الموارد وبنحو الموجبة الجزئيّة، ولا يبعد- كما مرّ- أن يصطاد منها عرفاً قاعدة لا ضرر بنحو كلّي وموجبة كلّية بإلغاء الخصوصيّة عن مواردها، فإنّ العرف إذا ضمّ بعضها إلى بعض ونظر إلى مجموعها يمكن أن يستخرج منها قاعدة كلّية تحت عنوان «لا ضرر»، وإن أبيت عن هذا فلا أقلّ من كونها مؤيّدة لسائر الأدلّة.
٢- الإجماع:
فلا إشكال في أنّ القاعدة مجمع عليها في الجملة، أي توجد موارد عديدة في الفقه تكون عمدة الدليل فيها هى قاعدة لا ضرر، نظير خيار الغبن، ولكن لم ينعقد الإجماع عليها بعرضها العريض بحيث يمكن التعدّي إلى سائر موارد وجود الضرر، مضافاً إلى أنّه مدركيّ فليس بحجّة.
[١] سورة البقرة: الآية ٢٨٢.
[٢] سورة النساء: الآية ١٢.