أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٩٦ - ١- جواز التقليد للعامي
تكرم الفسّاق منهم» بالنسبة إلى دليل «أكرم العلماء» كذلك يمكن تقييد بعض المصاديق كما إذا قيل: «لا تكرم الفسّاق من النحويين».
وأمّا الإيراد الثاني: فلأنّ قوله تعالى: «إِنْ كُنتُمْ لَاتَعْلَمُونَ» هو في مقام بيان الموضوع، أي تقول الآية: «اسأل عند عدم العلم حتّى تكون لك الحجّة» كما إذا قيل: «إن كنت لا تعلم دواء داءك فارجع إلى الطبيب» فليس معناه أنّ قول الطبيب يوجب العلم دائماً.
وبعبارة اخرى: قوله تعالى: «إِنْ كُنتُمْ لَاتَعْلَمُونَ» ليس من قبيل بيان الغاية حتّى يورد عليها بما ذكر.
وبعبارة ثالثة: تارةً يكون العلم موضوعاً واخرى يكون غايةً، وما نحن فيه من قبيل الأوّل، فهى تقول: إنّ الموضوع للرجوع إلى البيّنة أو القسم أو الموضوع للرجوع إلى الخبرة إنّما هو الجهل، وهذا لا يعني حصول العلم بعد الرجوع.
سلّمنا كونه غاية، لكن ليس المراد من العلم في المقام اليقين الفلسفي كما مرّ كراراً بل المراد منه هو العلم العرفي الذي يحصل من ناحية إقامة أيّة حجّة، فإنّ العرف والعقلاء يعبّرون بالعلم في كلّ مورد قامت فيه الحجّة.
هذا- ولكن الآيات الواردة في المسألة كبعض الروايات الواردة فيها التي سنشير إليها إمضاءً لما عند العقلاء من رجوع الجاهل إلى العالم، نعم لا ضير فيها من هذه الجهة.
الأمر الثالث: الروايات الواردة في خصوص المقام، وهى كثيرة إلى حدّ تغنينا عن البحث حول إسنادها.
منها: ما رواه أبو عبيدة قال: قال أبو جعفر عليه السلام: «من أفتى الناس بغير علم ولا هدى من اللَّه لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ولحقه وزر من عمل بفتياه» [١].
فهو يدلّ بمفهومه على جواز الإفتاء بعلم، ولا ريب في أنّ المقصود من العلم فيه إنّما هو الحجّة.
منها: ما رواه عنوان البصري عن أبي عبداللَّه جعفر بن محمّد عليهما السلام في حديث طويل يقول فيه: «سل العلماء ما جهلت وإيّاك أن تسألهم تعنّتاً وتجربة» [٢].
[١] وسائل الشيعة: الباب ٤، من أبواب صفات القاضي، ح ١.
[٢] المصدر السابق: الباب ١٢، من أبواب صفات القاضي، ح ٥٤.