أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٣ - الأقوال الواردة في معنى الحديث
ثمّ رفع يده عمّا يستظهر من كلامه إلى هنا (وهو كون «لا» ناهية) في ذيل كلامه، وقال:
«وليعلم أنّ المدّعي أنّ حديث الضرر يراد به إفادة النهي عنه سواء كان هذا باستعمال التركيب في النهي ابتداءً أو أنّه استعمل في معناه الحقيقي، وهو النفي ولكن لينتقل منه إلى إرادة النهي ...
وربّما كانت دعوى الاستعمال في معنى النفي مقدّمة للانتقال إلى طلب الترك أدخل في إثبات المدّعى، حيث لا يتّجه حينئذٍ ما يستشكل في المعنى الأوّل من أنّه تجوّز لا يصار إليه» (انتهى).
وقد ناقش في كلامه في تهذيب الاصول بأنّ «اطلاق النفي وإرادة النهي وإن كان شائعاً كما استشهد من الشواهد إلّاأنّه ليس بمثابة يكون من المجازات الراجحة عند تعذّر الحقيقة لأنّ استعماله في غيره أشيع منه، وإليك ما يلي من الروايات والكلمات ممّا ورد على حذو هذا التركيب وقد اريد منه النفي بلا إشكال: لا طلاق إلّاعلى طهر، لا طلاق إلّابخمس: شهادة شاهدين ... الخ، لا طلاق فيما لا تملك، ولا عتق فيما لا تملك، ولا بيع فيما لا تملك ... (إلى آخر ما أورده من الروايات والكلمات)» [١].
أقول: لقائل أن يقول: إنّ هذه الموارد على خلاف المطلوب أدلّ فإنّها أيضاً مستعملة في النفي إلّاأنّ النهي فيها إرشاد إلى أحكام وضعية كالبطلان، نعم أنّها ترد على المحقّق شيخ الشريعة رحمه الله لو كانت مدّعاه أنّ «لا» في قوله صلى الله عليه و آله: «لا ضرر ولا ضرار» ظاهرة في النهي التكليفي فقط، فينقض كلامه حينئذٍ بالموارد المذكورة، حيث إنّه لا إشكال في أنّ «لا» فيها استعملت في الحكم الوضعي.
ثمّ قال في التهذيب بعد ذكر هذه الموارد: «نعم لو دار الأمر بين ما ذكره القوم، فما اختاره أرجح، لخلوّه عن كثير ممّا ذكرناه من الإشكال» [٢].
أقول: وفي كلام شيخ الشريعة رحمه الله أمران: أحدهما: تامّ والآخر: غير تامّ.
أمّا الأمر الذي ليس بتامّ فهو ما ادّعاه أوّلًا بأنّ «لا» في التراكيب المذكورة في كلامه اريد منها النهي لأنّ «لا» في جميعها حتّى في قوله تعالى: «فلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ» وقوله تعالى: «لا مساس» مستعملة في معنى النفي كما يشهد عليه التبادر العرفي، فليس معنى قوله: «لَارَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ» لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا في الحجّ، بل
[١] راجع تهذيب الاصول: ج ٢، ص ٤٨٠- ٤٨١، طبع جماعة المدرّسين.
[٢] المصدر السابق: ص ٤٨١.