أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٣ - التنبيه الأوّل الأحكام الوضعيّة
بقي هنا شيء:
وهو أنّه قد يبدو أنّ الاباحة ليست حكماً من الأحكام، أي أنّها من قبيل «لا إقتضاء» و «لا حكم» فيكفي فيها عدم صدور بعث أو زجر من جانب المولى، وعليه تكون الأحكام أربعة فما اشتهر في الألسن من أنّ الأحكام خمسة، شهرة لا أصل لها.
ولكن عند الدقّة يمكن الفرق بين الأحكام الشخصيّة والقانونيّة، فإنّ المتداول بين العقلاء من أهل العرف جعل الترخيص في كثير من الموارد بعنوان قانون من القوانين، لأنّا إذا راجعنا إلى مجالس التقنين العقلائي نلاحظ أنّهم في كثير من الموارد ينشئون الجواز والترخيص، كما ينشئون الوجوب أو الحرمة فينشئون مثلًا إنّ ورود البضاعة الفلانيّة مباح من هذا التاريخ، وليس ذلك مجرّد دفع المنع السابق، بل إنّه إنشاء جديد وحكم وجودي في مقابل حكم وجودي سابق، لا فسخه ونسخه فقط.
ثالثها: في أنّ الوجود على قسمين: وجود خارجي وهو واضح، ووجود ذهني، وهو على قسمين أيضاً: ما يكون له ما بحذاء خارجي، وما ليس له ما بحذاء خارجي، بل هو من مخترعات الذهن، والمخترعات الذهنيّة أيضاً على أقسام ثلاثة:
أحدها: الامور الانتزاعيّة، وهى ما يكون له منشأ إنتزاع في الخارج، كسببية النار للإحتراق، فإنّ الذهن ينتزعها من مقايسة النار بالإحراق في الخارج قهراً، من دون دخل لإرادة الإنسان واعتباره وجعله.
ثانيها: الاعتباريات، وة ما ليس له منشأ إنتزاع في الخارج، بل هو مجرّد اعتبار للعقلاء كالملكيّة التي لا يوجب اعتبارها أو عدم اعتبارها زيادة أو نقصاناً في الخارج، بل هى تابعة لاعتبار المعتبر وباقية ببقائه.
إن قلت: ما هى حقيقة الاعتبار؟
قلنا: أنّها عبارة عن سلسلة من الفروض والتشبيهات التي يترتّب عليها آثار عقلائيّة، لتوافقهم عليه، فهى فروض ذات آثار عقلائيّة، فإنّهم مثلًا يلاحظون الملكيّة التكوينيّة الخارجيّة التي أتمّها وأكملها مالكيّة ذات الباري تعالى لعالم الوجود (وهى نفس سلطته واحاطته على العالم) ومن مصاديقها مالكية الإنسان على أعضائه وصور ذهنه، ومالكيته على أفعاله بواسطة الأعضاء، فإنّ جميع ذلك سلطات تكوينية خارجيّة.