أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٢ - التنبيه الأوّل الأحكام الوضعيّة
والمعروف الجاري على ألسنة المحقّقين أنّ حقيقتها إنشاء البعث أو الزجر أو الترخيص الناشىء عن إرادة المولى أو كراهته أو ترخيصه في نفسه، وهذا ممّا يتّضح لنا بالرجوع إلى الوجدان.
ولكن ذهب بعض أعاظم العصر قدّس اللَّه نفسه إلى أنّ الحكم التكليفي اعتبار نفساني من المولى يبرز بالإنشاء، وقال: «هذا الاعتبار النفساني تارةً يكون بنحو الثبوت، أي المولى يثبت شيئاً في ذمّة العبد ويجعله دَيناً عليه، كما ورد في بعض الروايات أنّ دَين اللَّه أحقّ أن يقضى، فيعبّر عنه بالوجوب، لكون الوجوب بمعنى الثبوت، واخرى يكون بنحو الحرمان، وإنّ المولى يحرم العبد عن شيء ويسدّ عليه سبيله، كما يقال في بعض المقامات: أنّ اللَّه تعالى يجعل لنا سبيلًا إلى الشيء الفلاني فيعبّر عنه بالحرمة، فإنّ الحرمة هو الحرمان عن الشيء، كما ورد أنّ الجنّة محرّمة على آكل الربا مثلًا فإنّ المراد منه المحروميّة عن الجنّة، لا الحرمة التكليفيّة، وثالثة يكون بنحو الترخيص وهو الاباحة بالمعنى الأعمّ، فإنّه تارةً يكون الفعل راجحاً على الترك واخرى بالعكس، وثالثة لا رجحان لأحدهما على الآخر، وهذا الثالث هو الإباحة بالمعنى الأخصّ» [١].
أقول: يرد عليه أوّلًا: أنّه خلاف الوجدان، إذ إنّ الوجدان حاكم بأنّ البعث الإنشائي يكون كالبعث التكويني، فكما أنّ في الثاني لا يوضع على ذمّة الإنسان شيء بعنوان الدين، كذلك في الأوّل، فلا يعتبر المولى بقوله «افعل» دَيناً على عهدة العبد، بل أنّه مجرّد إنشاء بعث في نفسه، يحاذي البعث التكويني الخارج بدفع المكلّف بيده نحو العمل.
ثانياً: أنّ كلامه لا يجري في الاستحباب لأنّه لا معنى للدين الإستحبابي، مع أنّ الاستحباب يكون على وزان الوجوب، والفرق بينهما من ناحية شدّة الطلب والبعث وضعفه.
ومن هنا يظهر أنّ ما ذكره من بعض الشواهد نظير ما ورد في بعض الروايات «إنّ دين اللَّه أحقّ أن يقضى» تعبيرات كنائية، ومن باب تشبيه الحكم بالدَين، والقرينة عليه ما مرّ من قضاء الوجدان بما ذكرناه.
[١] مصباح الاصول: ج ٣، ص ٧٧- ٧٨، طبع مطبعة النجف.