أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٩ - التنبيه الخامس استصحاب الامور التدريجيّة
اتّحد الداعي فلا يجري، كما إذا كان زيد مريداً للذهاب من النجف إلى بغداد من أوّل الأمر، وما إذا تعدّدت الدواعي فيجري، كما إذا كان زيد مريداً للذهاب من النجف إلى كربلاء وشككنا في حصول داعٍ جديد له للذهاب من كربلاء إلى بغداد، وكما إذا لم نعلم أنّه هل كان مريداً من أوّل الأمر للذهاب من النجف إلى بغداد، أو كان مريداً من أوّل الأمر للذهاب إلى كربلاء ثمّ تجدّد الداعي له إلى بغداد، وهذا ما ذهب إليه المحقّق النائيني رحمه الله فيما حكى عنه في تقريرات بعض الأكابر من تلامذته [١]، ففيه وجوه بل أقوال ثلاثة، الحقّ والصحيح منها هو القول الأوّل.
أمّا القول الثاني فيرد عليه: أنّ الوحدة في القسم الرابع كالقراءة والتكلّم حاصلة حتّى عند العرف الدقّي، وليست الوحدة فيه من المسامحات العرفيّة.
وأمّا القول الثالث: فيرد عليه أيضاً: أنّ مجرّد تعدّد الداعي لا يكون موجباً للتعدّد في الفعل، لأنّ الحافظ للوحدة ليس هو الداعي بل هو الإتّصال.
هذا كلّه في المقام الثاني.
أمّا المقام الثالث:- أي الامور الثابتة المقيّدة بالزمان في لسان الدليل كالإمساك المقيّد بالنهار أو الجلوس المقيّد بيوم الجمعة وكالصلاة المقيّدة بإتيانها في داخل الوقت- فهل يجري استصحاب بقاء وجوب الصّلاة مثلًا بعد انقضاء الزمان المقيّد به فعل الصّلاة أو لا يجري؟ فيه وجهان بل قولان:
ذهب كثير من الأعاظم إلى عدم جريان الاستصحاب في هذا المقام، وذلك لتبدّل الموضوع، لأنّ المفروض أنّ الزمان كان مقوّماً له عرفاً، نعم إذا لم يكن الزمان مقوّماً للموضوع عند العرف كما في مثل خيار الغبن وخيار العيب كان الاستصحاب فيه جارياً، فإذا شككنا في أنّ خيار الغبن مثلًا كان فوريّاً فإنقضى زمانه أو لم يكن فورياً فلم ينقض زمانه كان استصحاب بقاء الخيار جارياً بلا إشكال (بناءً على جريانه في الشبهات الحكميّة) لكنّه ليس حينئذٍ من الامور الثابتة المقيّدة بالزمان لأنّ الزمان ليس قيداً فيه.
[١] راجع مصباح الاصول: ج ٣، ص ١٢٨، طبع مطبعة النجف.