أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨٢ - المقام الرابع الفرق بين مثبتات الاصول والأمارات
ويمكن أن يناقش فيه:
أوّلًا: بأنّ كلامه وإن كان صادقاً في مثل خبر الواحد، لأنّ له الحكاية، والحكاية عن الشيء حكاية عن لوازمه (وكذا الإقرار والبيّنة) ولكنّه لا يصدق في مثل أصالة اليد، حيث إنّها لا تحكي ولا تخبر عن شيء، وليس لها لسان حتّى تنحلّ إلى حكايات عديدة.
وثانياً: أنّه يقبل في نفس خبر الواحد أيضاً في الجملة لا بالجملة، لأنّ انحلاله إلى إخبارات عديدة مبنى على التفات المخبر باللوازم والملازمات، وأمّا اللوازم التي ليس المخبر عالماً بها ولا متوجّهاً إليها فلا يصحّ أن يكون الإخبار عن الملزوم إخباراً عن تلك اللوازم.
البيان الثاني: أنّ حجّية الأمارة هى من باب أنّها توجب حصول الظنّ نوعاً، والظنّ بشيء ظنّ بلوازمه.
وفيه: أنّه المبني مخدوش، لأنّ مناط الحجّية ليس هو حصول الظنّ النوعي، وإلّا يلزم حجّية الظنّ مطلقاً، وهو- على الظاهر- ممّا لا يلتزم به المستدلّ نفسه.
البيان الثالث: ما أفاده المحقّق النائيني رحمه الله من «أنّ الأمارة إنّما تكون محرزة للمؤدّي وكاشفة عنه كشفاً ناقصاً، والشارع بأدلّة اعتبارها قد أكمل جهة نقصها، فصارت الأمارة ببركة اعتبارها كاشفة ومحرزة كالعلم، وبعد إنكشاف المؤدّى يترتّب عليه جميع ما للمؤدّى من الخواصّ والآثار على قواعد سلسلة العلل والمعلولات واللوازم والملزومات» [١].
أقول: إنّ كلامه هذا أيضاً من آثار مبناه المعروف من أنّ معنى الحجّية جعل صفة المحرزية والكاشفيّة واليقين، فكأنّ الشارع يقول: أنّ لمفهوم الحجّة قسمين من المصداق: قسم تكويني، وقسم اعتباري يحتاج إلى جعل واعتبار ممّن بيده الاعتبار، فبعد جعل الحجّية يصير مصداقاً واقعياً للعلم فيترتّب عليها لوازمها وملازماتها كالعلم التكويني.
ولكن قد مرّ كراراً أنّ صفة اليقين أمر تكويني لا يمكن جعلها في عالم الاعتبار، وينبغي أن نشير هنا إلى ما أفاد المحقّق العراقي رحمه الله في تعليقته على فوائد الاصول، فإنّه قال: «الطريقيّة بمعنى تتميم الكشف وتماميّة الانكشاف المساق لإلغاء الاحتمال بحقيقته يستحيل أن تناله يد الجعل تشريعاً» [٢].
[١] فوائد الاصول: ج ٤، ص ٤٨٧، طبع جماعة المدرّسين.
[٢] المصدر السابق: ص ٤٨٤، طبع جماعة المدرّسين.