أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٢ - التفصيل بين الشبهات الحكميّة والشبهات الموضوعيّة
ومنها: أنّهم ظنّوا أنّها روايات خاصّة وردت في أبواب معيّنة لا يمكن الاستدلال بها على العموم، وإنّ اللام في اليقين والشكّ إشارة إلى العهد لا الجنس، كما مرّ احتماله سابقاً، فمن هنا تركوا الاعتماد على هذه الروايات ورجعوا إلى بناء العقلاء، وقد ثبت في محلّه أنّ إعراض المشهور عن الدلالة غير ضائر في الحجّية.
التفصيل بين الشبهات الحكميّة والشبهات الموضوعيّة:
ثمّ إنّه هل المستفاد من هذه الأدلّة حجّية الاستصحاب في خصوص الشبهة الموضوعيّة، أو إنّها تعمّ الشبهات الحكميّة أيضاً؟
ذهب إلى الثاني جميع المتأخّرين، وذكر أنّ الأمين الاسترابادي في بعض كلماته أنّ أحداً من القدماء الماضين قدّس اللَّه أسرارهم لم يقل بهذا العموم، فلم يستندوا إلى الاستصحاب في بقاء حلّية العصر العنبي مثلًا بعد الغليان، وبقاء نجاسة الماء المتغيّر بعد زوال تغيّره بنفسه.
والصحيح هو الأوّل كما ذهب إليه بعض أعاظم العصر قدّس اللَّه سرّه، وإن كان دليله الذي أقامه على الانحصار غير تامّ (كما سيأتي بيانه وبيان المناقشة فيه).
دليلنا عليه أمران:
أحدهما: أنّه قد مرّ أنّ أساس الاستصحاب إنّما هو سيرة العقلاء، وهى جارية في خصوص الشبهات الموضوعيّة، وأمّا الشبهات الحكميّة فإن كان الشكّ فيها في نسخ قانون وعدمه فلا ريب في أنّهم يتمسّكون باستصحاب عدم النسخ أيضاً، وأمّا إذا لم يكن منشأ الشبهة النسخ، بل شكّ في بقاء الحكم وعدمه، ولم يكن هناك عموم أو اطلاق، كما إذا جعلت زكاة على العنب وبعد تبدّله إلى الزبيب شكّ في بقائه مثلًا (مع فرض كون وصف الزبيبيّة من الأوصاف لا من المقوّمات) فإنّ العقلاء لا يعتمدون في مثل هذه الموارد على استصحاب بقاء ذلك الحكم.
ثانيهما: أنّ الوجدان حاكم على أنّه لو عشنا نحن في عصر صدور أخبار الاستصحاب مكان زرارة لم نشكّ في وجوب الفحص عن الحكم في الشبهات الحكميّة بالسؤال عن الإمام عليه السلام، ولم نحتمل جواز التمسّك بالاستصحاب بمجرّد الشكّ في بقاء حلّية العصر العنبي بعد