أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٥ - الأوّل الآيات
صغرى كون الاحتياط في الشبهات من مصاديق التقوى الواجبة، فإنّها عبارة عن الإتيان بالواجبات والاجتناب عن المحرّمات، وأمّا ترك الشبهات فهو مرتبة عالية من التقوى ولا دليل على وجوبها بجميع مراتبها كما أنّ الاجتناب عن المكروهات أيضاً من مراتبه وهو غير واجب.
الطائفة الثانية: ما دلّ على النهي عن القول بغير علم:
منها قوله تعالى: «إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَاتَعْلَمُونَ» [١].
ومنها قوله تعالى: «قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ... وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ» [٢].
وتقريب الاستدلال بها أنّ الحكم بترخيص الشارع لمحتمل الحرمة إفتراء وقول عليه بغير علم حيث إنّه لم يأذن فيه.
والجواب عنها: أنّ الترخيص في محتمل الحرمة حكم ظاهري ثابت بأدلّة قطعيّة، فليس هو قو بغير علم بل إنّه صادق في الحكم بوجوب الاحتياط لعدم دليل عليه.
الطائفة الثالثة: ما دلّ على النهي عن الإلقاء في التهلكة، وهى قوله تعالى: «وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» [٣] بتقريب أنّ الإقدام في الشبهات مصداق من مصاديق الإلقاء في التهلكة.
ويرد عليه: أنّ الاستدلال بها غير تامّ صغرى وكبرى، أمّا الصغرى، فلأنّ كون إرتكاب المشتبهات من مصاديق الإلقاء في التهلكة أوّل الدعوى ومصادرة بالمطلوب لعدم دليل عليه، وأمّا الكبرى، فلأنّ النهي الوارد في هذه الآية يكون من قبيل النواهي الواردة في باب الإطاعة لأنّ التهلكة عبارة عن العقاب الاخروي الناشيء من العصيان، وقد مرّ في مبحث الأوامر والنواهي أنّ الواردة منها في باب الإطاعة إرشاديّة وإلّا يلزم التسلسل المحال، فلا دلالة لهذه الآية على الحرمة، هذا إذا كان المراد من التهلكة ما ذكرنا من العقاب الاخروي، وأمّا إذا كان بمعنى الهلاكة الدنيويّة فلا ربط لها بالمقام كما لا يخفى.
[١] سورة البقرة: الآية ١٦٩.
[٢] سورة الأعراف: الآيه ٣٣.
[٣] سورة البقرة: الآية ١٩٥.