أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٧٩ - أخبار التخيير
حدّثتك بحديث أو أفتيتك بفتيا ثمّ جئتني بعد ذلك فسألتني عنه فأخبرتك بخلاف ما كنت أخبرتك أو أفتيتك بخلاف ذلك بأيّهما كنت تأخذ؟ قلت: بأحدثهما وأدع الآخر. فقال: قد أصبت ياأبا عمرو أبى اللَّه إلّاأن يعبد سرّاً أما واللَّه لئن فعلتم ذلك إنّه لخير لي ولكم أبى اللَّه عزّوجلّ لنا في دينه إلّاالتقيّة» [١].
ولكن لا يخفى أنّ مورد هذه الرواية هو التقيّة، ولا إشكال في أنّ المعتبر في هذا المقام إنّما هو آخر ما يصدر من صاحب التقيّة فإنّها على قسمين: تقيّة القائل، وهى ما إذا كان الإمام عليه السلام في شرائط خاصّة تقتضي بيان الحكم على خلاف الواقع، وتقيّة السائل وهى ما إذا كان للمسائل ظروف وشرائط خاصّة كذلك فإنّ الإمام عليه السلام كالطبيب ينظر إلى حاجة المأمورين في الظروف المختلفة من لزوم التقيّة أو رفضها، ومن الواضح أنّ الميزان في تعيين الحكم والوظيفة العمليّة إنّما هو ما مرّ عليه في الحال من الشرائط الجديدة، ولازمه لزوم الأخذ بأحدث الخبرين.
بل يمكن أن يقال: إنّ هذه الرواية وكذلك ما ورد في ذيل الرواية السابقة (وهو قوله عليه السلام:
«واللَّه لا ندخلكم إلّافيما يسعكم») الظاهر في مقام التقيّة أيضاً يرفع النقاب عن وجه هذه الطائفة من الروايات بأجمعها، ويبيّن لنا جهة صدورها وأنّها غير قابلة الإعتماد من هذه الجهة وتكون خارجة عن محلّ النزاع.
وممّا يؤيّد هذا المعنى (أي خروجها عن محلّ النزاع) يقين السائل فيها بأصل الصدور وأصل مجيء الحديث عن جانب الإمام عليه السلام وإنّما الكلام في جهة الصدور بينما محلّ البحث هو ما إذا كان الصدور ظنّياً، هذا كلّه أوّلًا.
وثانياً: سلّمنا كون الأحدثية ميزاناً في الأخذ بأحد الخبرين، ولكن غايتها أنّها إحدى المرجّحات، فلا دلالة لهذه الروايات على صورة فقدان هذا المرجّح، فتكون أخصّ من المدّعى.
وثالثاً: أنّها محمولة على عصر الحضور بقرينة ما ورد في رواية معلّى بن خنيس «خذوا به حتّى يبلغكم عن الحي».
[١] وسائل الشيعة: الباب ٩، من أبواب صفات القاضي، ح ١٧.