أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٧ - التنبيه الأوّل اشتراط عدم وجود أصل موضوعي (وهو من أهمّها)
موضوعي ينقّح حال الموضوع، وإلّا فلو كان في المقام أصل جارٍ من ناحية الموضوع لكان حاكماً على الأصل الحكمي سواء في الشبهة الموضوعيّة أم الحكميّة، فالأولى نظير استصحاب عدم ذهاب ثلثي العصير العنبي فيما إذا شككنا في ذهاب الثلثين وعدمه، فهو حاكم على أصالة الإباحة ومانع عن جريانها، لأنّه بمنزلة الأصل السببي وأصالة الإباحة أصل مسبّبي، وسيأتي البحث عنهما ولزوم تقديم الأوّل على الثاني، والثانية نظير استصحاب جلل الحيوان فيما إذا شككنا في أنّ إستبراء الجّلال يتحقّق عند الشارع بسبعة أيّام أو بعشرة أيّام، فهو حاكم على أصالة الحلّية لنفس العلّة، وهى أنّ الشكّ في الحلّية مسبّب عن الشكّ في بقاء الجلل وعدمه.
فاستصحاب بقاء الجلل أصل سببي وأصالة الحلّية أصل مسبّبي.
ومن هنا يظهر أنّ المراد من الموضوع في قولك: «الأصل الموضوعي» في المقام ما هو في مقابل الحكم سواء كان موضوعاً جزئيّاً كما في المثال الأوّل في الشبهة الموضوعيّة، أو موضوعاً كلّياً كما في المثال الثاني في الشبهة الحكميّة، فليس المراد منه الموضوع الخارجي حتّى يكون جزئياً في جميع الموارد وتكون الشبهة موضوعيّة دائماً.
كما يظهر ضعف ما أفاده المحقّق النائيني رحمه الله في المقام حيث قال: إنّ المراد من الأصل الموضوعي في ما نحن فيه ليس خصوص الأصل الجاري في الموضوع مقابل الحكم الشرعي، بل كلّ أصل محرز متكفّل للتنزيل يكون حاكماً على أصالتي البراءة والاشتغال، وقال في صدر كلامه: «ونعني ب (الأصل المتكفّل للتنزيل) أن يكون مفاد الأصل إثبات المؤدّى بتنزيله منزلة الواقع بحسب الجري العملي سواء كان المؤدّى موضوعاً خارجياً أو حكماً شرعيّاً» [١].
أقول: الظاهر إنحصار هذا الأصل (المتكفّل للتنزيل على مبناه) في الاستصحاب، وأمّا وجه ضعف كلامه هذا أنّه ينتقض بجميع الموارد التي يقدم فيه الاستصحاب على البراءة مع عدم كونه أصلًا موضوعياً بالنسبة إليها ومن قبيل السبب بالنسبة إلى مسبّبه، بل الوجه في تقدّمه عليها إنّما هو أخصّية أدلّة الاستصحاب بالنسبة إلى أدلّة البراءة (كما سيأتي في محلّه) نظير ما إذا شككنا في حلّية شيء مع العلم بأنّ حالته السابقة هى الحرمة فاستصحاب الحرمة
[١] راجع فوائد الاصول: ج ٣، ص ٣٨٠.