أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٥ - المقام الأوّل في دوران الأمر بين المتباينين
الملاك المتحقّق في مخالفة العلم التفصيلي موجود هنا بعينه» [١].
أقول: لنا في قبال هذا الوجه أو هذه الوجوه نقض وحلّ:
أمّا النقض: فهو بالشبهات غير المحصورة، اللّهمّ إلّاأن يقال بعدم لزوم المخالفة القطعيّة فيها لعدم إمكان إرتكاب المكلّف جميع الأطراف عادةً ولو تدريجاً.
وكذلك النقض بالشبهات البدوية لأنّه وإن كان الموجود فيها احتمال الإصابة إلى الواقع لكن لا إشكال في استلزامه احتمال التناقض، واحتمال اجتماع النقيضين محال كالعلم به، وهذا هو الشبهة المعروفة لابن قبّة التي تصدّى الأعلام للجواب عنها باسقاط أحد الحكمين عن الفعلية وإرجاعه إلى مرحلة الإنشاء، وبهذا ذهبوا إلى أنّ العلم الإجمالي في الشبهة غير المحصورة والشبهات البدوية يكون مقتضياً للتنجّز، ونحن نقول: كما يمكن اسقاط أحد الحكمين في هذين الموردين عن الفعليّة والقول باقتضاء العلم الإجمالي للتنجّز، كذلك يمكن في المقام أيضاً اسقاط الحكم الواقعي المعلوم بالإجمال عن الفعليّة وبذلك يرتفع إشكال التناقض، (وقد عرفت أنّ التناقض كما لا يجوز قطعاً لا يجوز احتمالًا).
وعلى هذا فلا يمكن إثبات حرمة المخالفة القطعيّة من ناحية لزوم التناقض كما صرّح به في كلمات المحقّق النائيني رحمه الله والقول بأنّ العلم الإجمالي علّة تامّة للتنجّز كما هو ظاهر بعض كلمات الأعلام الأربعة المزبورة أو صريحها، بل للعلم الإجمالي ليس أكثر من الاقتضاء، فعلينا الفحص عن وجود المانع في الأدلّة النقلية، فإن ظفرنا على رواية مرخّصة تمنع عن نفوذ المقتضي فهو، وإلّا تنجّز العلم الإجمالي لوجود المقتضي وفقدان المانع.
فنقول: هيهنا روايات عديدة يمكن أن يستدلّ بها على الترخيص في أطراف العلم الإجمالي:
أحدها: ما رواه عبداللَّه بن سليمان قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الجبن فقال لي: «...
ساخبرك عن الجبن وغيره، كلّ ما كان فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام بعينه فتدعه» [٢].
فهى تدلّ على الترخيص في أطراف العلم الإجمالي بناءً على أنّ الظاهر من قوله «بعينه»
[١] درر الفوائد: ج ٢، ص ٤٥٧، طبع جماعة المدرّسين.
[٢] وسائل الشيعة: الباب ٦١، من أبواب الأطعمة المباحة، ح ١.