أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٧ - نقد سائر الأقوال
كما ذهب إليه الشيخ الأعظم رحمه الله أو كناية بلسان نفي الموضوع كما اختاره المحقّق الخراساني رحمه الله) فأورد عليهما:
أوّلًا: أنّ المجاز أو الكناية مخالف للظاهر.
وقد أجاب الشيخ رحمه الله عن هذا بأنّه لا مخلص من الالتزام به بعد تعذّر الحمل على الحقيقة (لعدم إمكان انكار وجود الضرر في الخارج، نظير النسيان في حديث الرفع) ولزوم الرجوع إلى أقرب المجازات، بل حاول المحقّق النائيني رحمه الله إثبات أنّ مقالة الشيخ لا يلزم منها المجاز لأنّ النفي في المقام وأشباهه من حديث الرفع وقوله عليه السلام: «لا صلاة إلّابطهور» وغيرهما محمول على معناه الحقيقي بالنظر إلى عالم التشريع.
وحاصل ما أفاده في توضيح ذلك: إنّ الأحكام التكليفيّة وكذا الوضعيّة أمرها بيد الشارع إن شاء رفعها وإن شاء وضعها، فالنفي إذا تعلّق بحكم شرعي كان نفياً حقيقيّاً لارتفاعه واقعاً في عالم التشريع، هذا بالنسبة إلى النفي، وأمّا اطلاق الضرر على الأحكام المستلزمة له فهو أيضاً حقيقي، لأنّ اطلاق المسبّبات التوليديّة كالإحراق على إيجاد أسبابها شائع ذائع، فمن ألقى شيئاً في النار يقال: إنّه أحرقه، قولًا حقيقيّاً، وحينئذٍ نقول: كما أنّ الشارع إذا حكم بحكم شرعي وضعي أو تكليفي يوجب الضرر على المكلّفين يصدق أنّه أضرّ بهم وليس هذا اطلاقاً مجازياً، فكذا إذا نفاه يصدق عليه أنّه نفى الضرر عنه، نعم لو كانت الأحكام الشرعيّة من قبيل المعدّات للضرر لا من قبيل الأسباب، أو كان من قبيل الأسباب غير التوليديّة كان إسناد الضرر إلى من أوجدها إسناداً مجازياً، ولكن الأحكام الشرعيّة ليست كذلك بل حكم الشارع بالنسبة إلى محيط التشريع كالسبب التوليدي لا غير، أمّا في الأحكام الوضعيّة فواضح، وأمّا في الأحكام التكليفيّة فإسناد الاضرار فيها إلى الشارع إنّما هو بملاحظة داعي المكلّف وإرادته المنبعثة عن حكم الشارع، ففي الحقيقة الحكم التكليفي سبب لإنبعاث إرادة المكلّف وهى سبب للفعل، فهو أيضاً من سنخ الأسباب التوليدية [١]. (انتهى).
وربّما يرد عليه: بأنّ الأحكام الإلهيّة ليست عللًا توليديّة لأفعال المكلّفين، وذلك لتخلّل إرادة المكلّف بينهما، والإرادة مستندة إلى الاختيار ومعلولة له، وأمّا الأحكام فهى من قبيل
[١] راجع رسالة المحقّق النائيني رحمه الله في لا ضرر (المطبوعة في منية الطالب: ج ٢، ص ٢٠١- ٢٠٨).