أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٧ - التنبيه السابع استصحاب أحكام الشرائع السابقة
إلى نفسه وإن علم بثبوتها في حقّ آخرين، فإنّ الحكم الثابت في حقّ جماعة لا يمكن إثباته في حقّ جماعة اخرى لتغاير الموضوع، ولذا يتمسّك في تسرية الأحكام الثابتة للحاضرين أو الموجودين إلى الغائبين أو المعدومين بالإجماع والأخبار الدالّة على إشتراك جميع الامّة في الحكم، لا بالإستصحاب.
واجيب عنها: بأنّ الحكم الثابت في الشريعة السابقة لم يكن ثابتاً لخصوص الافراد الموجودين في الخارج بنحو القضية الخارجية، بل الحكم كان ثابتاً لعامّة المكلّفين بنحو القضية الحقيقيّة، فإذا شكّ في بقائه لهم لإحتمال نسخه في هذه الشريعة استصحب.
الثانية: من ناحية الشكّ اللاحق، فإنّا نتيقّن بإرتفاعها بنسخ الشريعة السابقة بهذه الشريعة فلا شكّ في بقائها حينئذٍ حتّى يكون من قبيل نقض اليقين بالشكّ فيستصحب، بل إنّه من قبيل نقض اليقين باليقين.
واجيب عنها أيضاً: أوّلًا: بأنّ نسخ الشريعة السابقة ليس بمعنى نسخ جميع أحكامها فإنّ كثيراً من أحكام الشرائع السابقة باقية في هذه الشريعة أيضاً كحرمة الزنا والغيبة وغيرهما.
وإن شئت قلت: إن اريد من النسخ نسخ كلّ حكم إلهي من أحكام الشريعة السابقة فهو ممنوع، وإن اريد نسخ البعض فالمتيقّن من المنسوخ ما علم بالدليل، فيبقى غيره على ما كان عليه ولو بحكم الاستصحاب.
إن قلت: إذا علمنا بنسخ بعضها إجمالًا صار جميعها من أطراف العلم الإجمالي فلا يمكن الاستصحاب فيها.
قلنا: إنّ العلم الإجمالي هذا ينحلّ إلى علم تفصيلي وشكّ بدوي، فإنّ مقدار المعلوم بالتفصيل ينطبق على مقدار المعلوم بالإجمال.
وثانياً: إنّا نفرض الشخص الواحد مُدركاً للشريعتين، فإذا إستصحب هو بالنسبة إلى نفسه تمّ الأمر في حقّ غيره من المعدومين بقيام الضرورة على إشتراك أهل الزمان الواحد في الشريعة الواحدة، وقد اجيب عن هذا الجواب بأنّ ذلك غير مجد في تسرية الحكم من المدرك للشريعتين إلى غيره من المعدومين، فإنّ قضيّة الإشتراك ليس إلّاأنّ الاستصحاب حكم كلّ من كان على يقين فشكّ، لا حكم الكلّ ولو من لم يكن كذلك.