أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٨ - التنبيه السابع استصحاب أحكام الشرائع السابقة
وإن شئت قلت: قاعدة الاشتراك تجري بالنسبة إلى موارد الوحدة في الموضوع لا ما إذا اختلف الموضوع، فإذا كانت أركان الاستصحاب الذي هو حكم ظاهري تامّة في حقّ أحد دون آخر يجري الاستصحاب في حقّه فقط دون غيره.
أقول: التحقيق في المسألة يستدعي تحليل ماهية نسخ الشريعة، فنقول: لا إشكال في أنّ نسخ الشريعة ليس بمعنى نسخ الاصول الإعتقادية فيها، كما لا إشكال في أنّه ليس عبارة عن تغيير جميع الأحكام بل يدور النسخ مدار معنيين:
أحدهما: رفع بعض الأحكام الفرعية وجزئيات الفروع ككيفية الزكاة والصّلاة، وثانيهما: إتمام أمد رسالة النبي السابق وانقضاء عمرها، ولازمه تشريع جميع الأحكام من جديد، وحينئذٍ ليس هو من قبيل تغيير الدولة في حكومة خاصّة وتبديلها إلى دولة اخرى، بل هو في الواقع من قبيل تبديل أصل الحكومة إلى حكومة جديدة ونظام آخر بحيث لابدّ فيه من تقنين قانون أساسي جديد، وبالجملة أنّه بمعنى تدوين جميع القوانين العمليّة والأحكام الفرعية من أصلها، وإن إشتركت الشريعتان في كثير من أحكامهما.
الصحيح في ما نحن فيه هو المعنى الثاني، فإنّ هذا هو حقيقة نسخ الشرائع والديانات وظهور شريعة اخرى جديدة، ويشهد على هذا المعنى أوّلًا: تكرار تشريع بعض الأحكام في الإسلام مع وجوده في الشريعة السابقة كحرمة شرب الخمر وحرمة الزنا ووجوب الصيام والصّلاة وكثير من المحرّمات والواجبات، كما يدلّ عليه بالصراحة التعبير بالكتابة في مثل قوله تعالى: «كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ».
وثانياً: جريان أصالة الإباحة بالنسبة إلى الشبهات الوجوبيّة عند الأخباري والاصولي معاً، وفي الشبهات التحريميّة عند الاصولي فقط، فإنّه أيضاً شاهد على نسخ جميع الأحكام السابقة ورجوع الأشياء إلى الإباحة، وعلى عدم وجود حكم إلزامي إلّابعد ثبوت تدوينه وكتابته ثانياً.
والذي يستنتج من هذا المعنى للنسخ هو عدم جواز استصحاب الشرائع السابقة فإنّه فرع احتمال بقاء بعض أحكام الشريعة السابقة، مع أنّك قد عرفت إنّا نعلم بنسخ جميع أحكامها وتشريع أحكام جديدة، وافقها أو خالفها.
كما يظهر منه عدم تمامية ما اجيب به عن الإشكال الأوّل الذي أورد على استصحاب