أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٢٨ - الأمر الثالث التعارض بين العامين من وجه
المتباينين الأخبار العلاجيّة وفي العموم المطلق الجمع الدلالي).
وهو نظير ما إذا وردت مثلًا رواية تدلّ بإطلاقها على نجاسة عذرة كلّ ما لا يؤكل لحمه، ورواية اخرى تدلّ باطلاقها على طهارة عذرة كلّ طائر، فمادّة الإجتماع فيهما هو الطائر الذي لا يؤكل لحمه، فتتعارضان فيه وتدلّ إحديهما على نجاسته والاخرى على طهارته، فهل المرجع فيه الأخبار العلاجية فإمّا أن ترجّح إحديهما على الاخرى عند وجود المرجّح أو يخيّر بينهما عند فقده، أو يكون المرجع الأصل الجاري فيه بعد فقد العمومات أو الإطلاقات؟
لا إشكال في عدم جريان المرجّحات الصدوريّة فيه، لأنّ المفروض أنّه يعمل بكلّ واحد منهما في مادّتي الافتراق، ومعلوم أنّ الرجوع إلى المرجّحات الصدورية وترجيح أحدهما على الآخر مستلزم لإسقاط الدليل في مادّة الاجتماع، فيلزم التبعّض والتجزئة في الصدور والسند، وبطلانه واضح.
وأمّا المرجّحات الجهتيّة وهكذا المرجّحات المضمونيّة (بناءً على عدم إرجاعها إلى المرجّحات الصدوريّة) فلا مانع من جريانها، لأنّ في مادّة الاجتماع يمكن الأخذ بإحديهما وترجيحها على الاخرى لمكان التقية مثلًا، وفي مادّة الإفتراق يعمل بكلتيهما من دون أن يلزم محذور، لإمكان أن يكون الإمام عليه السلام في مقام بيان حكم اللَّه الواقعي بالإضافة إلى أصل الدليل، وفي مقام التقيّة بالإضافة إلى اطلاقه.
هذا بالنسبة إلى الترجيح عند وجود المرجّح.
وأمّا التخيير عند فقد المرجّح فالمشهور على عدمه، فيتساقط الخبران حينئذٍ في مادّة الاجتماع عندهم، ويكون المرجع هو الأصل الجاري في المسألة، ونسب إلى المحقّق الطوسي رحمه الله التخيير، وذهب إليه المحقّق النائيني رحمه الله، واستدلّ له بإطلاقات أدلّة التخيير.
والإنصاف أنّ ما ذهب إليه المشهور هو الأقوى لانصراف أدلّة التخيير عن موارد العامين من وجه، فإنّ ظاهر قوله عليه السلام: «فتخيّر أحدهما ودع الآخر» قبول أحدهما بتمامه وترك الآخر بتمامه، لا قبول أحدهما وترك بعض الآخر، فهى مختصّة بالمتباينين.
إلى هنا تمّ الكلام عن التعادل والتراجيح، والحمد للَّهربّ العالمين.