أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٨٥ - الأمر السابع تبدّل رأي المجتهد
وإنقلابه إلى غيره، فإذا عدم الرأي كيف يمكن استصحاب آثاره، وهو أشنع من الاستصحاب عند تبدّل الموضوع وتغيّره.
الوجه السابع: ما استدلّ به بعض الأعلام على الإجزاء وعدم انتقاض الآثار السابقة بعد تقسيمه الأحكام إلى التكليفيّة والوضعيّة، وحاصله:
أمّا أحكام الوضعيّة: بالمعنى الأعمّ فإنّها تتعلّق غالباً بالموضوعات الخارجيّة، ولا معنى لقيام المصلحة بها، بل المصلحة قائمة بالأمر الاعتباري، ففي عقد المعاطاة مثلًا المصلحة لا تقوم بالمال بل بالملكيّة الحاصلة من المعاطاة القائمة بالمال، فإذا أدّت الحجّة إلى أنّ المعاطاة مملّكة فقد وجدت المصلحة في جعل الملكيّة، فإذا قامت الحجّة الثانية على أنّ المعاطاة لا تفيد الملكية لم تكشف إلّاعن أنّ المسألة من لدن قيامها إنّما هى في جعل الإباحة في المعاطاة لا في جعل الملكية، فقيام الحجّة الثانية من قبيل تبدّل الموضوع.
وأمّا الأحكام التكليفيّة: فهى وإن كانت تابعة للمصالح والمفاسد في متعلّقاتها ويتصوّر فيها كشف الخلاف، إلّاأنّ الحجّة الثانية إنّما يتّصف بالحجّية بعد إنقطاع الحجّة السابقة، فالحجّة الثانية لم تكن حجّة في ظرف الحجّية السابقة، وإنّما حجّيتها تحدث بعد سلب الحجّية عن السابقة، وإذا كان الأمر كذلك استحال أن تكون الحجّية المتأخّرة موجبة لانقلاب الأعمال المتقدّمة عليها، (انتهى ملخّصاً) [١].
وفيه: أوّلًا: أنّه قدس سره هل يتكلّم على مبنى القائلين بالسببيّة في حجّية الأمارات أو الطريقيّة؟ من الواضح أنّه لا يقول بالأوّل، وأمّا على الثاني فالحجج الشرعيّة لا تكشف عن المصالح الواقعيّة لأنّها تتضمّن أحكاماً ظاهريّة فحسب، والمصلحة السلوكيّة لا توجب الاجزاء، فما ذكره من أنّ المصلحة حاصلة في عقد المعاطاة بعد قيام الحجّة أمر غريب على مبناه، وقوله: «إذا أدّت الحجّة إلى أنّ المعاطاة مملّكة فقد وجدت المصلحة في جعل الملكية في المعاطاة» نفس القول بالسببية من دون تفاوت.
وأمّا دعوى الاستحالة في كون الحجّية المتأخّرة موجبة لانقلاب الأعمال المتقدّمة في الأحكام التكليفيّة فهو أغرب منه، فإنّ الأعمال المتقدّمة لم تثبت صحّتها واقعاً وإنّما ثبتت
[١] راجع التنقيح في شرح العروة الوثقى: ج ١، ص ٥٤- ٥٦.