أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥١٩ - الفصل الخامس في المرجّحات الخارجيّة
وثانياً: قد ذكرنا في محلّه في المكاسب الحرمة في باب الكذب: أنّ التورية لا تجري في كلّ كلام، بل تجري فيما إذا كان الكلام محتملًا لمعنيين ذاتاً، غاية الأمر أنّ ذهن السامع ينصرف إلى أحدهما مع أنّ المتكلّم أراد المعنى الآخر، كما إذا قال صاحب الدار (في جواب من سئل عنه بقوله «أزيد في الدار»): ليس هو هنا، وأراد منه وراء الباب لا مجموع الدار، ونظير قول سعيد بن جبير في الجواب عن سؤال الحجّاج، «أنت عادل قاسط» حيث أراد من «عادل» من عدل عن التوحيد مشيراً إلى قوله تعالى: «ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ» [١] فإنّ له معنيين، ومن «قاسط» معنى الظلم لأنّه من الأضداد، وإن انصرف الذهن منهما إلى معنى العدالة، ونظير قول بعض العلماء (في الجواب عن سؤال: خير الورى بعد النبي من هو؟ في تلك القصّة المعروفة):
من بنته في بيته، فأراد من الضمير النبي صلى الله عليه و آله فينطبق على أمير المؤمنين علي عليه السلام، ولعلّه كان المنصرف إلى الذهن في ذلك الزمان رجوع الضمير الثاني إلى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله فينطبق على الخليفة الأوّل.
ويتفرّع على ذلك عدم كون التوراة داخلة في أنواع الكذب، كما يتفرّع عليه أنّ التورية لا تجري في كلّ كلام وفي كلّ مقام، بل لها موارد خاصّة، وحينئذٍ لا يمكن القول باحتمال التورية في جميع موارد التقيّة.
هذا، وتمام الكلام في محلّه في المكاسب المحرّمة.
الفصل الخامس: في المرجّحات الخارجيّة
جعل الشيخ الأعظم رحمه الله مجموع المرجّحات على قسمين: داخليّة وخارجيّة، فالداخلية عبارة عن كلّ مزية غير مستقلّة بنفسها، وهى على ثلاثة أقسام مرّ ذكرها تفصيلًا، والخارجيّة عبارة عن كلّ مزية مستقلّة بنفسها ولو لم يكن هناك خبر أصلًا، وهى على خمسة أقسام:
١- ما لا تكون معتبرة لتعلّق النهي بها، وهى الأمارات الظنّية غير المعتبرة المنهي عنها كالقياس.
[١] سورة الأنعام: الآية ١.