أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥ - المناقشة
أنّ المؤاخذة والعقوبة لا تحسن إلّابعد تبليغ الأحكام والتكاليف إلى العباد، وهذا لا ربط له بما نحن فيه من الشكّ في التكليف بعد التبليغ وعروض اختفاء التكليف ببعض الموجبات التي لا دخل للشارع فيها.
والجواب عنه: هو الجواب من أنّ المراد من الإيتاء هو إتمام الحجّة، فتدلّ الآية على نفي العذاب ما لم تتمّ الحجّة بعد التبليغ، وهو المطلوب.
وثالثاً: بأنّ المقصود في الآية وكذلك في الرواية التكليف بما لا يطاق، فإنّ معرفة صفاته تعالى مثلًا خارجة عن طاقة البشر، ولا يمكن حصولها له إلّامن ناحية البيان، فالآية تنفي التكليف بما لا يطاق لا التكليف بالاحتياط في مثل التدخين الذي يكون ممكناً للإنسان، وليس خارجاً عن طاقته، والشاهد على ذلك أنّ الإمام عليه السلام ذكر هذه الآية في جنب قوله تعالى: «لَايُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا» التي لا إشكال في أنّ المقصود منها التكليف بما لا يطاق، فالآية حينئذٍ أجنبية عمّا نحن فيه.
ورابعاً: بأنّ سند الرواية ضعيف من ناحية عبدالأعلى المجهول في كتب الرجال، اللهمّ إلّا أن يقال: بأنّه وقع بعد حمّاد وهو من أصحاب الإجماع، ولكن المختار عندنا عدم تماميّة هذه القاعدة.
وبهذا يظهر أنّ الآية غير صالحة للاستدلال بها في المقام.
ومنها: قوله تعالى: «وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» [١]، ودلالتها على المدّعى تتمّ إذا كانت «يضلّ» بمعنى «يعذّب» لأنّ مفادها حينئذٍ عدم العقاب بلا بيان، فالمهمّ في المقام تعيين معنى «يضلّ» بعد عدم تصوّر معناها اللغوي المعروف بالنسبة إلى الباري تعالى، فنقول: يحتمل فيها أربعة وجوه:
١- أن يكون بمعنى التعذيب كما مرّ آنفاً.
٢- أن يكون بمعنى الحكم بالضلال.
٣- أن يكون بمعنى الخذلان أي ترك العون والإمداد وسلب التوفيق.
٤- أن يكون بمعناه الحقيقي مع حقيقة الإسناد بالنسبة إليه تعالى من باب إنّه مسبّب
[١] سورة التوبة: الآية ١١٥.