أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤ - المناقشة
فقد يقال: إنّ الموصول استعمل في المعنى الثالث، فيكون كلّ واحد من الموردين (مورد الآية ومورد الرواية) من مصاديق هذا المعنى الجامع فتكون دلالته على المراد تامّة.
لكن أورد عليه أوّلًا: بأنّ «إرادة الأعمّ منه (من الإعلام بالحكم والتكليف) ومن المورد (مورد الآية) يستلزم استعمال الموصول في معنيين، إذ لا جامع بين تعلّق التكليف بنفس الحكم وبالفعل المحكوم عليه» [١].
وإن شئت قلت: «المفعول المطلق هو المصدر أو ما في معناه المأخوذ من نفس الفعل، والمفعول به ما يقع عليه الفعل المباين معه ولا جامع بين الأمرين حتّى يصحّ الإسناد» [٢].
والجواب عنه: أنّ الموصول في الآية يكون مفعولًا به في كلتا الصورتين، أي سواء اريد منه نفس التكليف أو اريد منه الأمر الخارجي الذي يقع عليه التكليف، لأنّ المراد من التكليف في الصورة الاولى معناه اسم المصدري، أي ما كلّف به (لا المعنى المصدري)، فيكون المعنى: «لا يكلّف اللَّه نفساً بتكليف كمعرفة صفات اللَّه أو الإمام أو الأحكام كما ورد في سؤال الراوي في الرواية: «هل كلّف الناس بالمعرفة».
فعلى أي تقدير يكون الموصول مفعولًا به ويصير المعنى: «لا يكلّف اللَّه نفساً إلّاتكليفاً أو مالًا آتاها» فاستعمل الموصول في القدر الجامع بينهما، وهو مطلق المعطى أعمّ من الامور المادّية كالمال أو المعنوية كالمعرفة، ويكون هذا الجامع هو المفعول به، كما أفاده المحقّق النائيني رحمه الله بما نصّه: «لكن الإنصاف أنّه يمكن أن يراد من الموصول الأعمّ من التكليف وموضوعه، وإيتاء كلّ شيء إنّما يكون بحسبه، فإنّ إيتاء التكليف إنّما يكون بالوصول والإعلام، وإيتاء المال إنّما يكون بإعطاء اللَّه تعالى وتمليكه، وإيتاء الشيء فعلًا أو تركاً إنّما يكون بإقدار اللَّه تعالى عليه فإنّ للإيتاء معنىً ينطبق على الاعطاء وعلى الاقدار، ولا يلزم أن يكون المراد من الموصول الأعمّ من المفعول به والمفعول المطلق، بل يراد منه خصوص المفعول به» [٣].
وثانياً: بما مرّ في آية البعث من المحقّق النائيني رحمه الله أيضاً من أنّ أقصى ما تدلّ عليه الآية هو
[١] أورده الشيخ الأعظم رحمه الله في رسائله.
[٢] تهذيب الاصول: ج ٢، ص ١٤٣، طبع جماعة المدرّسين.
[٣] فوائد الاصول: ج ٣، ص ٣٣٢، طبع جماعة المدرّسين.