الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٨ - ضيوف إبراهيم عليه السّلام
فمن جهة .. يعدّ إعطاء هذا الولد لإبراهيم و زوجه و هما في مرحلة الكبر و اليأس من الإنجاب تأكيدا على كون الأرزاق مقدّرة كما أشير إلى ذلك في الآيات المتقدّمة.
و من جهة اخرى يعدّ دليلا آخر على قدرة الحقّ و آية من آيات معرفة اللّه التي ورد البحث عنها في الآيات آنفا.
و من جهة ثالثة يعدّ بشرى للأمم المؤمنة بأنّها في رعاية الحقّ- كما أنّ الآيات التالية تتحدّث عن عذاب قوم لوط و هي في الوقت ذاته تهديد للمجرمين.
ففي البدء يوجّه اللّه سبحانه الخطاب لنبيّه فيقول: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ [١].
و التعبير ب «المكرمين» إمّا لأنّ هؤلاء الملائكة كانوا مأمورين من قبل الحقّ، و قد ورد التعبير عنهم في الآية (٢٦) من سورة الأنبياء أيضا بمثل هذا- بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ أو لأنّ إبراهيم عليه السّلام أكرمهم، أو للوجهين معا.
ثمّ يبيّن القرآن حالهم فيقول: إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ [٢].
قال بعضهم: جملة أنّهم «قوم منكرون» لم يصرّح بها إبراهيم، بل حدّث بها نفسه لأنّ هذا الكلام لا ينسجم مع وافر الاحترام للضيف الكرام.
إلّا أنّه كما هو المعتاد قد يقول المضيّف للضيف في حال الاحترام و الترحيب:
«لا أدري أين التقيت بك من قبل- أو يبدو انّك غريب ..»
[١]- «الضيف» له معنى وصفي، و يطلق على المفرد كما يطلق على الجمع أيضا .. و لذلك فقد وصف بالمكرمين، و ما قاله بعضهم إنّه مصدر و لا يثنّى و لا يجمع فلا يبدو صحيحا. و لكن كما يقول الزمخشري في الكشّاف حيث إنّه كان في الأصل مصدرا و بعد أن أصبح ذا معنى وصفي فإنّه استعمل في المفرد و الجمع معا، فلاحظوا بدقّة.
[٢]- سلاما منصوب بفعل محذوف و تقديره: نسلّم عليكم سلاما: أمّا سلام فهو مبتدا و خبره محذوف و أصله عليكم سلام أو سلام عليكم فكأنّ إبراهيم أراد أن يحيّهم بأحسن من تحيّتهم، لأنّ الجملة الاسمية تدلّ على الثبات و الدوام تفسير الكشّاف، ج ٤، ص ٤٠١.