الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠٦ - ١- لحظة ضعف الجبّارين
فبينما هو كذلك إذ لاحت سمكة نحو الذراع كأنّها سبيكة فضّة، فجعل لمن يخرجها سيفا فبدر بعض الفراشين فأخذها و صعد فلمّا صارت على حرف العين أو على الخشب الذي عليه المأمون اضطربت و انفلتت من يد الفراش فوقعت في الماء كالحجر، فنضح من الماء على صدر المأمون و نحره و ترقوته فبلّت ثوبه، ثمّ انحدر الفرّاش ثانية فأخذها و وضعها بين يدي المأمون في منديل تضطرب، فقال المأمون: تقلى الساعة ثمّ أخذته رعدة من ساعته، فلم يقدر يتحرّك من مكانه، فغطّي باللحف و الدواويج و هو يرتعد كالسعفة و يصيح: البرد البرد، ثمّ حوّل إلى المغرب و دثّر و أوقدت النيران حوله و هو يصيح: البرد البرد، ثمّ أتي بالسمكة و قد فرغ من قليها فلم يقدر على الذوق منها و شغله ما هو فيه عن تناول شيء منها.
و لمّا اشتدّ به الأمر سأل المعتصم بختيشوع و ابن ماسوية في ذلك الوقت عن المأمون و هو في سكرات الموت، و ما الذي يدلّ عليه علم الطبّ من أمره، و هل يمكن برؤه و شفاؤه، فتقدّم ابن ماسوية و أخذ إحدى يديه و بختيشوع الاخرى، و أخذا يجسّان كلتا يديه فوجدا نبضه خارجا عن الاعتدال منذرا بالفناء و الانحلال، و التزقت أيديهما ببشرته لعرق كان يظهر منه من سائر جسده كالزيت أو كلعاب بعض الأفاعي، فأخبر المعتصم بذلك، فسألهما عن ذلك فأنكرا معرفته، و أنّهما لم يجداه في شيء من الكتب و أنّه دالّ على انحلال الجسد، فأحضر المعتصم الأطباء حوله و هو يأمل خلاصة ممّا هو فيه، فلمّا ثقل قال: أخرجوني أشرف على عسكري و أنظر إلى رحالي و أتبيّن ملكي، و ذلك في الليل، فاخرج فأشرف على الخيم و الجيش و انتشاره و كثرته و ما قد وقد من النيران، فقال: يا من لا يزول ملكه، ارحم من زال ملكه، ثمّ ردّ إلى مرقده و أجلس المعتصم رجلا يشهده.
و لمّا ثقل رفع الرجل صوته ليقولها (أي الشهادة) فقال له ابن ماسوية: لا تصحّ فو اللّه ما يفرّق بين ربّه و بين ما ني في هذا الوقت، ففتح عينيه من ساعته