الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣ - كتابه جميع الأقوال
و أعماله و أقواله، و سوف يحاسبه عليها يوم القيامة.
و جملة وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ يمكن أن تكون إشارة إلى أنّ خالق البشر محال أن لا يعلم بجزئيات خلقه؟! الخلق الدائم و المستمر، لأنّ الفيض أو الجود منه يبلغ البشر لحظة بعد لحظة، و لو انقطع الفيض لحظة لهلكنا، كنور الشمس الذي ينتشر في الفضاء من منبع الفيض و هو الكرة الشمسية «بل كما سنبيّن فإنّ ارتباطنا بذاته المقدّسة أسمى ممّا مثّلنا- (بنور الشمس)».
أجل، هو الخالق، و خلقه دائم و مستمر و نحن مرتبطون به في جميع الحالات، فمع هذه الحال كيف يمكن أن لا يعلم باطننا و ظاهرنا؟! و يضيف القرآن لمزيد الإيضاح في ذيل الآية قائلا: وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ.
ما أبلغ هذا التعبير!! فحياتنا الجسمانية متعلّقة بعصب يوصل الدم إلى القلب و يخرجه منها بصورة منتظمة و ينقله إلى جميع أعضاء البدن، و لو توقّف هذا العمل لحظة واحدة لمات الإنسان ... فاللّه أقرب إلى الإنسان من هذا العصب المسمّى بحبل الوريد.
و هذا ما أشار إليه القرآن في مكان آخر إذ قال: وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ وَ أَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ. [١] و بالطبع فإنّ هذا كلّه تشبيه تقريبي، و اللّه سبحانه أقرب من ذلك و أسمى رغم كون المثال المذكور أبلغ تصوير محسوس على شدّة القرب، فمع هذه الإحاطة للّه تعالى بمخلوقاته، و كوننا في قبضة قدرته، فإنّ تكليفنا واضح، فلا شيء يخفى عليه لا الأفعال و لا الأقوال و لا الأفكار و النيّات و لا تخفى عليه حتّى الوساوس التي تخطر في القلوب!
[١]- سورة الأنفال، ٢٤.