الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦٩ - العقوبات المؤلمة لأصحاب الشمال
أفعالهم بصورة كافية، و ذلك ليكون إتماما للحجّة عليهم من جهة، و إظهار أنّ جزاءهم هذا كان انسجاما مع مبادئ العدالة تماما من جهة اخرى.
و المسألة الاخرى: أنّ الذنوب الثلاثة التي أشير إليها في الآيات الثلاثة السابقة كانت بمثابة نفي اصول الدين الثلاثة من قبل أصحاب الشمال.
ففي آخر آية تحدّث القرآن الكريم عن تكذيبهم ليوم القيامة، و في الآية الثانية عن إنكار التوحيد، و في الآية الاولى كانت الحديث عن المترفين و هي إشارة إلى تكذيب الأنبياء كما جاء في قوله تعالى: وَ كَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَ إِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ. [١] و التعبير ب تُراباً وَ عِظاماً لعلّه إشارة إلى أنّ لحومنا تتحوّل إلى تراب، و عظامنا إلى رميم، و مع ذلك فكيف نكون خلقا جديد؟
و لمّا كانت عودة الحياة إلى التراب أبعد من عودتها إلى العظام لذا ذكر في البداية حيث يقول تعالى: تُراباً وَ عِظاماً.
و العجيب أنّ هؤلاء يرون مشاهد المعاد بأعينهم في هذه الدنيا و مع ذلك فإنّهم ينكرونها [٢]. ألم يروا إلى الكثير من الموجودات الحيّة كالنباتات تموت و تجفّ و تصبح ترابا ثمّ تلبس لباس الحياة مرّة اخرى، و أساسا فإنّ الذي خلق الخلق أوّل مرّة لن يعييه إعادة الخلق ثانية، و لن يكون عليه ذلك صعبا و عسيرا و لكنّهم مع ذلك يصرّون على إنكار المعاد.
إنّهم لم يكتفوا بما ذكروا و ذهبوا إلى أكثر من ذلك حيث قالوا بتعجّب: أَ وَ آباؤُنَا الْأَوَّلُونَ [٣] الذين لم يبق منهم أثر و تناثرت كلّ ذرّة من تراب أجسادهم
[١]- الزخرف، ٢٣.
[٢]- يجب الانتباه هنا إلى تكرا حرف الاستفهام و التعبير ب (أنّ) كلّها للتأكيد.
[٣]- الهمزة في (أو آبائنا الأوّلون) استفهامية، و الواو واو عطف و هنا قدّمت الهمزة الاستفهامية عليها.