الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٩ - قصّة قوم نوح عبرة و عظة
قالُوا.
ثمّ يضيف تعالى أنّ نوح عند ما يئس من هداية قومه تماما: فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ [١].
و الغلبة المذكورة في الآية الكريمة لم تكن غلبة في الحجّة و الدليل أو البرهان على عدم صحّة الدعوة، و إنّما كانت تتجسّد بالظلم و الجناية و التكذيب و الإنكار و أنواع الزجر و الضغوط ... و لهذا فإنّ هؤلاء القوم لا يستحقّون البقاء، فانتقم لنا منهم و انصرنا عليهم.
نعم، فهذا النّبي العظيم كان يطلب من اللّه المغفرة لقومه ما دام يأمل في هدايتهم و صلاحهم، و لكن عند ما يئس منهم غضب عليهم و لعنهم و دعا ربّه أنّ ينتقم منهم.
ثمّ يشير هنا إشارة معبّرة و قويّة في كيفية العذاب الذي ابتلوا به وصبّ عليهم حيث يقول سبحانه: فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ.
إنّ تعبير انفتاح أبواب السماء لتعبير رائع جدّا، و يستعمل عادة عند هطول الأمطار الغزيرة.
(منهمر) من مادّة (همر) على وزن (صبر) و تعني النّزول الشديد للدموع أو الماء، و يستعمل هذا التعبير أيضا عند ما يستدر الحليب من الضرع حتّى النهاية.
و العجيب هنا أنّه ورد في أقوال المفسّرين أنّ قوم نوح كانوا قد أصيبوا بالجدب لعدّة سنوات قد خلت، و كانوا يرتقبون بتلهّف سقوط المطر عليهم، و فجأة ينزل المطر و لكن لا ليحيي أرضهم و يزيد خيرهم بل ما حقا و مميتا لهم [٢].
و يذكر أنّ الماء الذي أدّى إلى الطوفان لم يكن من هطول الأمطار فقط، بل
[١]- (انتصر): طلب العون كما في الآية (٤١) سورة الشورى، و هنا جاءت بمعنى طلب الانتقام على أساس العدل و الحكمة كما فسّرها البعض في التقدير (انتصر لي).
[٢]- روح المعاني هامش الآية مورد البحث.