الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤٨ - المؤمنون في ضيافة اللّه
استعمالا، لذا يتبادر إلى الذهن معناها الأخير.
و على كلّ حال فإنّه إنذار آخر لهؤلاء العاصين و المغفّلين و الجهلة.
و لمّا كانت السنّة المتّبعة في القرآن الكريم غالبا ما تعتمد المقارنة بين جبهة الصلاح و الهدى من جهة، و جبهة الفساد و الضلال من جهة اخرى، لأنّ في المقارنة يبرز التفاوت و الاختلاف بصورة أفضل، فهنا أيضا بعد الحديث عن مصير الكفّار و المجرمين يشير سبحانه إشارة مختصرة إلى العاقبة السعيدة و الحبور العظيم الذي يكون من نصيب المتّقين حيث يقول سبحانه: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَ نَهَرٍ.
(نهر) على وزن (قمر)، و كذلك (نهر) على وزن (قهر) و الاثنان يعنيان مجرى الماء الكثير، و لهذا يطلق على الفضاء الواسع كذلك، أو الفيض العظيم أو النور المنتشر (نهر)- على وزن قمر-.
و بغضّ النظر عن الحديث اللاحق، يمكن أن يكون هذا المصطلح في الآية أعلاه بنفس المعنى الأصلي، أي أنّ كلمة (نهر) بمعنى نهر الماء، و لا إشكال في كون الكلمة بصيغة المفرد، لكونها تدلّ على معنى الجنس و الجمع، فينسجم مع (جنّات) جمع «جنّة»، و يمكن أن يكون المراد منها هو اتّساع الفيض الإلهي و النور العظيم في ظلال الجنّة و رحابها الواسعة، و بذلك تشمل المعنيين.
و لكن نقرأ هنا في حديث للرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الذي نقل
عن الدرّ المنثور أنّه قال: «النهر: الفضاء و السعة، و ليس بنهر جار» [١].
و في آخر آية مورد البحث و التي هي آخر آية في سورة القمر يوضّح البارئ بصورة أكثر (مستقر المتّقين) حيث يقول سبحانه أنّهم: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ.
و يا له من وصف رائع و ظريف! حيث أنّ هذا الوصف يتميّز بخصوصيتين
[١]- الدرّ المنثور، ج ٦، ص ١٣٩.