الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٤ - ٣- الأمر الإلهي كلمة واحدة
بل حتّى تشبيه كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [١] [٢].
و عند ما يتحدّث عن الأمر الإلهي في يوم القيامة و يشبهه ب (لمح بالبصر) يضيف (أو هو أقرب).
و على كلّ حال فإنّ الحديث هنا عن الزمان حسب التعبيرات اليومية لنا، و كذلك فإنّ القرآن الكريم يخاطبنا بلغتنا، و إلّا فإنّ أوامر اللّه تعالى فوق الزمان.
و ضمنا فإنّ التعبير ب (واحدة) يمكن أن يكون إشارة لهذا المعنى، و هو أنّ أمرا واحدا يكفي و لا يحتاج إلى تكرار، أو أنّها إشارة إلى أنّ أمره تعالى حول الصغير و الكبير و حتّى خلق السموات الواسعة أجمع لا يختلف عن خلقه لذرّة التراب.
و في الأصل فإنّ الكبير و الصغير و السهل الصعب يكون في مقاييسنا الفكرية المحدودة و قدرتنا الضئيلة، أمّا عند ما يكون الحديث عن القدرة الإلهية العظيمة فإنّ هذه المفاهيم تتلاشى تماما، و يصبح الكلّ بلون واحد و شكل واحد، (فتدبّر).
و يطرح هنا «سؤال»: و هو إذا صحّ معنى الجملة أعلاه و هو أنّ كلّ شيء يوجد آنا (في الآن) فإنّ هذا الأمر لا يتناسب مع مشاهدة التدرّج في حوادث العالم.
و يتّضح «الجواب» عند ما نلاحظ هذه النقطة، و هي أنّ أمره تعالى في كلّ مكان و كلّ شيء هو (كلمة واحدة) و التي تكون أسرع من لمح البصر، و لكن محتوى الأمر الإلهي متفاوت و مختلف، فإذا صدر الأمر الإلهي للجنين أن يكمل دورته تسعة أشهر، فلن تزيد و تنقص لحظة واحدة. و الفورية هنا هي أن يكمل الجنين الدورة في نهاية المدّة المحدّدة، و لو اعطي أمر للكرة الأرضية أن تدور في كلّ أربع و عشرين ساعة مرّة حول نفسها؟ فإنّ هذا الأمر غير قابل للتخلّف، و بتعبير آخر فإنّ تنفيذ أمره تعالى لا يحتاج إلى أيّ وقت زماني، و الموجود هنا هو محتوى الأمر. و من خلال معرفة السنّة التدريجية للعالم المادّي و خاصيّته
[١]- «لمح» على وزن (مسح) و الأصل بمعنى لمعان البرق ثمّ جاءت بمعنى النظر السريع.
[٢]- النحل، ٧٧.