الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٧ - بداية النعم الإلهية
فمن الواضح أنّ الإنسان لم يكن بمقدوره و إمكانه أن ينقل تجاربه و علومه من جيل إلى آخر بهذه السهولة و بالتالي أدّى إلى التقدّم و العلم و الدين و الأخلاق ...
و إذا ما سلبت هذه النعمة العظيمة من الإنسان ليوم واحد فإنّ المجتمع الإنساني سوف يأخذ طريقه نحو التقهقر بسرعة، و لو أخذنا «البيان» بمعناه الواسع الذي يشمل الخطّ و الكتابة و الفنون المختلفة، فإنّه سيتّضح لدينا بصورة أكثر دوره الهامّ في الحياة الإنسانية.
و من هنا ندرك لماذا جاءت عبارة (تعليم البيان) بعد نعمة خلق الإنسان في سورة الرحمن التي هي مجموعة من هبات اللّه تعالى.
و يتطرّق بعد ذلك إلى النعمة الإلهيّة الرابعة و التي هي هبة من هبات اللّه العظيمة أيضا، حيث يقول تعالى: الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ بِحُسْبانٍ [١].
إنّ أصل وجود الشمس من أكبر النعم الإلهيّة للإنسان، لأنّ العيش في المنظومة الشمسية بدون نور و حرارة الشمس أمر غير ممكن، و كما بيّنا سابقا فإنّ كلّ حركة في الكرة الأرضية مصدره حرارة الشمس، حيث أنّ نمو و نضج النبات و المواد الغذائية أجمع، بالإضافة إلى سقوط الأمطار و هبوب الرياح، كلّها ببركة هذه الهبة الإلهيّة.
كما أنّ للقمر دورا هامّا في حياة الإنسان، فبالإضافة إلى أنّه يضيء الليالي المعتمة، فإنّ جاذبيته هي علّة المدّ و الجزر في البحار و المحيطات، و هي عامل لبقاء الحياة في البحار، كما أنّها تقوم بدورها في إرواء كثير من المناطق القريبة للسواحل و التي تصبّ الأنهار بالقرب منها.
و بالإضافة إلى ذلك فإنّه ثبات الانتظام لهاتين الحركتين (حركة القمر حول الأرض، و حركة الأرض حول الشمس) هو السبب في الظهور المنتظم لليل
[١]- «حسبان» على وزن (غفران) و هي مصدر بمعنى الحساب و النظم و الترتيب، و للآية محذوف تقديره (و الشمس و القمر تجريان بحسبان).