الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٨ - إنّ الذكرى تنفع المؤمنين
غرارهم و متلوّنا بلون المحيط و لم يستسلم للأمور الماديّة.
فبناء على ذلك لا تحزن و لا تكترث و واصل المسير بالصبر و الاستقامة، لأنّ مثل هذه الكلمات قيلت في أمثالك يا رسول اللّه من رجال الحقّ و أهله.
ثمّ يضيف القرآن هل أنّ هذه الأقوام الكافرة تواصت فيما بينها على توجيه هذه التّهمة إلى جميع الأنبياء: أَ تَواصَوْا بِهِ؟! و كان عملهم هذا إلى درجة من الانسجام، و كأنّهم اجتمعوا في مجلس- في ما وراء التاريخ- و تشاوروا و تواصوا على أن يتّهموا الأنبياء عامّة بالسحر و الجنون ليخفّفوا من وطأة نفوذهم في نفوس الناس! و لعلّ كلّا منهم كان يريد أن يمضي من هذه الدنيا و يوصي أبناءه و أحبابه بذلك! و يعقّب القرآن على ذلك قائلا: بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ [١].
و هذه هي إفرازات روح الطغيان حيث يتوسّلون بكلّ كذب و اتّهام لإخراج أهل الحقّ من الساحة، و حيث إنّ الأنبياء يأتون الناس بالمعجزات فإنّ خير ما يلصقونه بهم من التّهم أن يسموهم بالسحر أو الجنون، فبناء على ذلك يكون عامل «وحدة عملهم» هذا هي الروحية الخبيثة و الطاغية الواحدة لهم.
و لمزيد التسرّي عن قلب النّبي و تسليته يضيف القرآن: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ.
و كن مطمئنا بأنّك قد أدّيت ما عليك من التبليغ و الرسالة فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ.
و إذا لم يستجب أولئك للحقّ فلا تحزن فهناك قلوب متعطّشة له جديرة بحمله و هي في انتظاره.
و هذه الجملة في الحقيقة تذكر بالآيات السابقة التي تدلّ على أنّ النّبي كان يتحرّق لقومه حتّى يؤمنوا و يتأثّر غاية التأثّر لعدم إيمانهم حتّى كاد يهلك نفسه من
[١]- بل في الآية الآنفة للإضراب.