الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠٧ - التحدّي المشروط
يقول سبحانه في البداية: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ [١] [٢].
نعم، إنّ اللّه العالم القادر سيحاسب في ذلك اليوم الإنس و الجنّ حسابا دقيقا على جميع أعمالهم و أقوالهم و نيّاتهم، و يعيّن لكلّ منهم الجزاء و العقاب.
و مع علمنا بأنّ اللّه سبحانه لا يشغله عمل عن عمل، و علمه محيط بالجميع في آن واحد، و لا يشغله شيء عن شيء (و لا يشغله شأن عن شأن) و لكنّنا نواجه التعبير في (سنفرغ) و التي تستعمل غالبا بالتوجّه الجادّ لعمل ما، و الانصراف الكلّي له، و هذا من شأن المخلوقات بحكم محدوديتها.
إلّا أنّه استعمل هنا للّه سبحانه، تأكيدا على مسألة حساب اللّه تعالى لعباده بصورة لا يغادر فيها صغيرة و لا كبيرة إلّا أحصاها، و لا يغفل عن مثقال ذرّة من أعمال الإنسان خيرا أو شرّا، و الأظرف من ذلك أنّ اللّه الكبير المتعال هو الذي يحاسب بنفسه عبده الصغير، و علينا أن نتصوّركم هي مرعبة و مخيفة تلك المحاسبة.
(الثقلان) من مادّة (ثقل) على وزن (كبر) بمعنى الحمل الثقيل و جاءت بمعنى الوزن أيضا، إلّا أنّ (ثقل) على وزن (خبر) تقال عادة لمتاع و حمل المسافرين، و تطلق على جماعة الإنس و الجنّ و ذلك لثقلهم المعنوي، لأنّ اللّه تبارك و تعالى قد أعطاهم عقلا و شعورا و علما و وعيا له وزن و قيمة بالرغم من أنّ الثقل الجسدي لهم ملحوظ أيضا كما قال تعالى: وَ أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها، [٣] حيث ورد أنّ أحد معانيها هو خروج الناس من القبور في يوم القيامة، إلّا أنّ التعبير في الآية مورد البحث جاء باللحاظ المعنوي، خاصّة و أنّ الجنّ ليس لهم ثقل مادّي.
[١]- يجب الالتفات إلى أنّ رسم الخطّ القديم في القرآن المجيد كتبت (أيّها) في موارد بصورة (أيّه) و التي هي في الآية مورد البحث و آيتين أخريين (النور آية ٣١، و الزخرف آية ٤٩) في الوقت الذي تكتب (أيّها) في الحالات الاخرى بالألف الممدودة، و الملاحظ أنّها كانت على أساس قاعدة رسم الخطّ القديم.
[٢]- مع كون «الثقلين» تنبيه فالضمير في لكم أتى جمعا و ذلك إشارة إلى مجموعتين.
[٣]- الزلزلة، ٢.