الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٦ - بداية النعم الإلهية
و بتعبير آخر: إنّ الصوت الممتدّ و المتساوي الذي يخرج من الحنجرة يقطّع إلى أشكال و قياسات مختلفة حيث تتشكّل منه الحروف.
و من جهة اخرى فهناك مسألة اللغات، حيث إنّ الإنسان يبتدع لغات مختلفة حسب احتياجاته الماديّة و المعنوية، و ذلك إثر تطوّره و تقدّمه الفكري، و العجيب هنا عدم وجود أي محدودية في وضع اللغات، حيث نلاحظ تعدّد الألسن في علامنا هذا بصورة يصعب إحصاؤها بصورة دقيقة، كما أنّنا نلحظ أيضا نشوء لغات جديدة و ألسن جديدة بصورة تدريجيّة مع مرور الزمن. و يعتقد البعض أنّ عدد اللغات الموجودة في عالمنا اليوم يصل إلى ثلاثة آلاف لغة، و يذهب آخرون إلى أكثر من ذلك [١].
و الظاهر أنّ ذلك يتعلّق باللغات و الألسن الأصليّة، أمّا إذا أخذت اللهجات المحليّة بنظر الإعتبار فإنّها ستصبح أكثر من ذلك بكثير قطعا، حيث لا حظ المتتبعون لأمور اللهجات أنّ قريتين متجاورتين تتحدّثان بلسانين مختلفين أحيانا.
و من جهة ثالثة هناك مسألة ترتيب الجمل و الاستدلال و بيان العواطف عن طريق العقل و الفكر، لأنّها تمثّل روح البيان و النطق ... و لهذا الأمر فإنّ التكلّم أمر خاصّ بالإنسان فقط.
صحيح أنّ الكثير من الحيوانات تحدث أصواتا مختلفة كي تعبّر عن احتياجاتها، إلّا أنّ عدد هذه الأصوات محدود جدّا و مبهم و غير معلوم، في حين أنّ البيان وضع في إختيار الإنسان بصورة واسعة و غير محدودة، لأنّ اللّه تعالى قد أعطاه القدرة الفكرية اللازمة للتكلّم.
و إذا تجاوزنا كلّ ذلك و أخذنا دور البيان في تكامل و تقدّم الحياة الإنسانية،
[١]- دائرة المعارف لفريد وجدي، ج ٨، ص ٣٦٤ مادّة (لغة).