الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٣ - ١- قصّة الأصمعي المثيرة
لذلك فإنّ الآية الأخيرة من الآيات محلّ البحث تقسم فتقول: فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ.
و قد بلغ الأمر حدّا أن يقسم اللّه على ما لديه من عظمة و قدرة ليطمئن عباده الشاكّين ضعاف الأنفس الحريصين إنّ ما توعدون في مجال الرزق و الثواب و العقاب و القيامة جميعه حقّ و لا ريب في كلّ ذلك [١].
و التعبير ب مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ تعبير لطيف و دقيق إذ يتحدّث عن أكثر الأشياء لمسا، لأنّه قد يخطئ الإنسان في الباصرة أو السمع بأن يتوهّم أنّه سمع أو رأى، إلّا أنّه لا يمكن أن يتوهّم أنّه قال شيئا مع أنّه لم يقله .. لذلك فإنّ القرآن يقول: كما أنّ ما تنطقون محسوس عندكم و له واقع، فإنّ الرزق و الوعد الإلهي عنده كذلك! ثمّ بعد هذا كلّه فإنّ النطق بنفسه واحد من أكبر الأرزاق و المواهب الإلهيّة التي لم يتمتّع بها أي موجود حيّ سوى الإنسان، و ليس بخاف أثر الكلام و النطق في الحياة الاجتماعية و تعليم الناس و تربيتهم و انتقال العلوم و حلّ مشاكل الحياة على أحد.
بحوث
١- قصّة الأصمعي المثيرة
ينقل الزمخشري في كشّافه عن الأصمعي [٢] أنّه قال خرجت من مسجد البصرة فبصرت بأعرابي من أهل البادية راكبا على دابته فواجهني و سألني: من أي
[١]- هناك كلام بين المفسّرين في أنّ مرجع الضمير في «أنّه» على أي شيء يعود؟ قال بعضهم يعود على الرزق، و قال بعضهم يعود على ما توعدون و قال بعضهم يعود على النّبي و القرآن إلّا أنّ التّفسير الأوّل أنسب.
[٢]- كان يدعى «عبد الملك بن قريب» و كان يعيش في عهد هارون الرشيد و له حافظة عجيبة و اطّلاعات واسعة عن تاريخ العرب و أشعارها و توفّي في البصرة سنة ٢١٦ الكنى و الألقاب، ج ٢، ص ٢٧.