الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠٤ - عند ما تصل الروح إلى الحلقوم
بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَ أَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ و لا تستطيعون عمل شيء من أجله [١].
و المخاطبون هنا هم أقارب المحتضر الذين ينظرون إلى حالته في ساعة الاحتضار من جهة، و يلاحظون ضعفه و عجزه من جهة ثانية، و تتجلّى لهم قدرة اللّه تعالى على كلّ شيء، حيث أنّ الموت و الحياة بيده، و أنّهم- أي أقاربه- سيلاقون نفس المصير [٢].
ثمّ يضيف سبحانه وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَ لكِنْ لا تُبْصِرُونَ.
نعم، نحن الذين نعلم بصورة جيّدة ما الذي يجول في خواطر المحتضر؟ و ما هي الإزعاجات التي تعتريه؟ نحن الذين أصدرنا أمرنا بقبض روحه في وقت معيّن، إنّكم تلاحظون ظاهر حاله فقط، و لا تعلمون كيفية انتقال روحه من هذه الدار إلى الدار الآخرة، و طبيعة المخاضات الصعبة التي يعيشها في هذه اللحظة.
و بناء على هذا فالمقصود من الآية هو: قرب اللّه عزّ و جلّ من الشخص المحتضر، بالرغم من أنّ البعض احتمل المقصود بالقرب (ملائكة قبض الروح) إلّا أنّ التّفسير الأوّل منسجم مع ظاهر الآية أكثر.
و على كلّ حال فإنّ اللّه سبحانه ليس في هذه اللحظات أقرب إلينا من كلّ أحد، بل هو في كلّ وقت كذلك، بل هو أقرب إلينا حتّى من أنفسنا، بالرغم من أنّنا بعيدون عنه نتيجة غفلتنا و عدم و عينا، و لكن هذا المعنى في لحظة الاحتضار يتجلّى أكثر من أي وقت آخر.
ثمّ للتأكيد الأشدّ في توضيح هذه الحقيقة يضيف تعالى: فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
[١]- للآية محذوف تقديره (فلو لا إذا بلغت الحلقوم لا ترجعونها و لا تملكون شيئا) و هذا ما يستفاد من الآيات اللاحقة و قد لحقت تاء التأنيث بالفعل لأنّها متعلّقة بالنفس.
[٢]- احتمل البعض أنّ المخاطب هنا هو الشخص المحتضر، و هذا بعيد جدّا حسب الظاهر، لأنّ الآية اللاحقة توضّح بصورة جيّدة أنّ المخاطب هم متعلّقوا المحتضر.