الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨١ - ٣- هذه العلوم الخمسة مختصّة باللّه
تفسير هذه الآية تؤكّد هذه الحقيقة، و من جملتها ما
ورد في حديث: «إنّ مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهنّ إلّا اللّه، و قرأ هذه الآية» [١].
و
جاء في رواية اخرى وردت في نهج البلاغة: أنّ عليّا عليه السّلام كان يوما يخبر بحوادث المستقبل، فقال له أحد أصحابه: يا أمير المؤمنين، أ تتحدّث عن الغيب و تعلم به؟
فتبسّم الإمام، و قال له: «يا أخا كلب (لأنّ الرجل كان من بني كلب)، ليس هو بعلم غيب، و إنّما هو تعلّم من ذي علم، و إنّما علم الغيب علم الساعة و ما عدده اللّه سبحانه بقوله: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ... فيعلم اللّه سبحانه ما في الأرحام، من ذكر أو أنثى، و قبيح أو جميل، و سخيّ أو بخيل، و شقيّ أو سعيد، و من يكون في النار حطبا، و في الجنان للنبيين مرافقا، فهذا علم الغيب الذي لا يعلمه أحد إلّا اللّه، و ما سوى ذلك فعلم علّمه اللّه نبيّه فعلّمنيه و دعا لي بأن يعيه صدري و تضطمّ عليه جوانحي» [٢].
و يظهر من هذه الروايات جليّا أنّ المراد من عدم علم الناس بهذه الأمور، جهلهم بكلّ خصوصياتها و جزئياتها، فمثلا: إذا وضعت تحت تصرّف الإنسان يوما ما وسائل معيّنة- و لم يحلّ ذلك اليوم إلى الآن- بحيث يطّلع تماما على كون الجنين ذكرا أو أنثى، فإنّ هذا الأمر برغم كونه تطوّرا علميّا هامّا لا يعدّ شيئا، لأنّ الاطّلاع على الجنين و العلم به يعني أن نعلم كلّ خصائصه الجسمية، القبح و الجمال، الصحّة و المرض، الاستعدادات الداخلية، الذوق العلمي و الفلسفي و الأدبي، و سائر الصفات و الكيفيّات الروحية، و هذا الأمر لا يتمّ لغير اللّه سبحانه.
و كذلك ما يتعلّق بالمطر، فمتى ينزل؟ و أيّة منطقة يصيب و يهطل عليها؟ و أيّ مقدار- على وجه الدقّة- سينزل في البحر؟ و ما مقدار ما ينزل في الصحراء
[١] مجمع البيان، ذيل الآية مورد البحث.
[٢] نهج البلاغة. الخطبة ١٢٨.