الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٧ - المنافقون في عرصة الأحزاب
ثمّ تتطرّق الآية الاخرى إلى بيان حال طائفة اخرى من هؤلاء المنافقين مرضى القلوب، و الذين كانوا أخبث و أفسق من الباقين، فمن جانب تقول الآية عنهم: و اذكر إذ قالت مجموعة منهم للأنصار: يا أهل المدينة (يثرب) ليس لكم في هذا المكان موقع فلا تتوقّفوا هنا و ارجعوا إلى بيوتكم: وَ إِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا.
و خلاصة الأمر أنّكم لا تقدرون على عمل أيّ شيء في مقابل جحفل الأعداء اللجب، فانسحبوا من المعركة و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة و بنسائكم و أطفالكم إلى ذلّ الأسر، و بذلك كانوا يريدون أن يعزلوا الأنصار عن جيش الإسلام.
و من جانب آخر: وَ يَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَ ما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً.
كلمة (عورة) مأخوذة من مادّة (عار)، و تقال للشيء الذي يوجب ظهوره العار، و تقال أيضا للشقوق و الثقوب التي تظهر في اللباس أو جدران البيت، و كذلك للثغور الضعيفة و النقاط الحدودية التي يمكن اختراقها و تدميرها، و على ما يخافه الإنسان و يحذره، و المراد هنا البيوت التي ليس لها جدار مطمئن و باب محكم، و يخشى عليها من هجوم العدوّ.
و المنافقين بتقديمهم هذه الأعذار كانوا يريدون الفرار من ساحة الحرب و اعتزال القتال، و اللجوء إلى بيوتهم.
و جاء في رواية: أنّ طائفة «بني حارثة» أرسلوا رسولا منهم إلى النّبي صلّى اللّه عليه و آله و قالوا: إنّ بيوتنا غير مأمونة، و ليس هناك بيت من بيوت الأنصار يشبه بيوتنا، و لا مانع بيننا و بين «غطفان» الذين هجموا من شرق المدينة، فائذن لنا أن نرجع إلى بيوتنا و ندافع عن نسائنا و أولادنا، فأذن لهم النّبي.
فبلغ ذلك «سعد بن معاذ» كبير الأنصار، فقال للنبي صلّى اللّه عليه و آله: لا تأذن لهم، فإنّي اقسم باللّه أنّ هؤلاء القوم تعذّروا بذلك كلّما عرضت لنا مشكلة، إنّهم يكذبون،