الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٩ - المنافقون في عرصة الأحزاب
الشرك و الكفر، كما جاء في آيات القرآن الاخرى، كالآية (١٩٣) من سورة البقرة:
غير أنّ بعض المفسرين احتملوا أن يكون المراد من «الفتنة» هنا: الحرب ضدّ المسلمين، بحيث إنّها لو عرضت على هؤلاء المنافقين لأجابوا إليها بسرعة، و يعينوا أصحاب الفتنة! إلّا أنّ هذا التّفسير لا يتلاءم مع ظاهر جملة: وَ لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها و ربّما اختار أكثر المفسّرين المعنى الأوّل لهذا السبب.
ثمّ يستدعي القرآن الكريم فئة المنافقين إلى المحاكمة، فيقول: وَ لَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَ كانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا و عليه فإنّهم مسئولون أمام تعهّدهم.
و قال البعض: أنّ المراد من هذا العهد و الميثاق هو ذلك العهد الذي عاهد «بنو حارثة» عليه اللّه و رسوله يوم احد حينما قرّروا الرجوع عن ميدان القتال ثمّ ندموا بعد ذلك، فقطعوا العهد على أنفسهم أن لا يرتكبوا مثل هذه الأمور، إلّا أنّهم فكّروا مرّة ثانية في معركة الأحزاب في نقض عهدهم و ميثاقهم [١].
و يعتقد البعض أنّه إشارة إلى العهد الذي عاهدوا به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في غزوة بدر، أو في العقبة قبل هجرة النّبي [٢].
و لكن يبدو أنّ للآية أعلاه مفهوما واسعا يشمل هذه العهود و المواثيق، و كلّ عهودهم الاخرى.
إنّ كلّ من يؤمن و يبايع النّبي صلّى اللّه عليه و آله يعاهده على أن يدافع عن الإسلام و القرآن و لو كلّفه ذلك حياته.
و التأكيد على العهد و الميثاق هنا من أجل أنّه حتّى عرب الجاهلية كانوا يحترمون مسألة العهد، فكيف يمكن أن ينقض إنسان عهده و يضعه تحت قدميه بعد ادّعائه الإسلام؟
[١] تفسير القرطبي، و تفسير في ظلال القرآن، ذيل الآيات مورد البحث.
[٢] نقل هذا القول الآلوسي في روح المعاني.